«نحن نعرف أنهم سيأتون لقتلنا» كيف انتصرت إيران رغم اغتيال قادتها؟
- سامي عطا الأربعاء , 8 أبـريـل , 2026 الساعة 1:15:45 AM
- 0 تعليقات

سامي عطا / لا ميديا -
في صبيحة 28 فبراير/ شباط 2026، أعلن الإعلام الرسمي الإيراني خبرًا هزّ «الشرق الأوسط»: اغتيال المرشد علي خامنئي في غارات (أمريكية -»إسرائيلية») مشتركة. لم تكن هذه الضربة الأولى من نوعها، بل اشتدت أوار الحرب بعدها ولا تزال مستمرة، واستمرت أمريكا و»إسرائيل» في استهداف القادة، فراح ضحيتها لاحقًا علي لاريجاني وقادة كبار من الصفين الأول والثاني. لكن المفاجأة لم تكن في الاغتيالات نفسها، بل في رد الفعل الإيراني: لم يحدث فراغ، لم يحدث انهيار، بل حدث «تغيير للمرشد» وكأنه عملية روتينية مجهزة مسبقًا. كيف يكون اغتيال رأس النظام «غير مؤثر»؟ هذا ما سنكشفه في هذا المقال.
السيناريو الذي حضر له الإيرانيون قبل سنوات
ما حدث في فبراير 2026 لم يكن مفاجئًا للنظام الإيراني، بل كان سيناريو مكتوبًا ومجهزًا له. قبل ثمانية أشهر، وتحديدًا في يونيو 2025، وخلال ما عُرف بـ»حرب الـ12 يومًا»، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن معلومات مذهلة: المرشد خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا، كان قد أعد قائمة تضم ثلاثة مرشحين محتملين لخلافته في حال اغتياله.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى ترتيبات أكثر تفصيلاً. بحسب مصادر إيرانية مطلعة، فإن خامنئي:
- نقل سلطات واسعة إلى مجلس القيادة العسكرية الأعلى، بما في ذلك الحرس الثوري، لضمان استمرارية القيادة.
- عيَّن بدلاء لكل منصب قيادي رئيسي في السلسلة العسكرية، من قادة الصف الأول إلى الثالث.
- فوَّض مجموعة ضيقة من المقربين، بقيادة علي لاريجاني، لاتخاذ القرارات الكبرى في حال انقطاع الاتصال به أو اغتياله.
كان هذا الاستعداد على مستوى لم نشهده في أي نظام آخر في الشرق الأوسط. إنه أشبه بـ»شجرة قيادة» متكاملة، تسقط فيها ورقة فتنمو غيرها. وهذا ما يفسر لماذا، عندما أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية اغتيال خامنئي في مارس/ آذار 2026، لم تظهر أي علامات على الانهيار أو الصدمة.
حين يتجاوز التخطيط الفرد: عبقرية النظام المؤسسي
يكمن السر الحقيقي للنظام الإيراني في تحويل «القيادة» من صفة شخصية إلى وظيفة مؤسسية. صحيح أن خامنئي كان شخصية كاريزمية، لكنه أصر طوال حياته على ألا يصبح النظام «مركزًا حول شخصه». لهذا السبب، استبعد ابنه مجتبى من قائمة الخلفاء المحتملين، رغم كونه مرشحًا قويًا بدعم من الحرس الثوري. كانت هذه رسالة واضحة: «إيران ليست ملكًا لآل خامنئي، بل نظام قائم على الكفاءة والولاء المؤسسي».
هذا التوجه يعيد إلى الأذهان مقولة المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل، الذي قال: «تلك المجتمعات التي تخلق مؤسسات قوية قبل أن تحتاج إليها، هي وحدها القادرة على الصمود في وجه العواصف». إيران فعلت ذلك بالضبط. لم تنتظر الأزمة لتبني هرمًا قياديًا بديلاً، بل بنته في وقت السلم.
واللافت أن عملية «تخليق القيادات» لم تكن مقتصرة على السياسة والعسكر، بل شملت كل مفاصل الدولة. كما يشير أحد المحللين في مقال بصحيفة «سمول وورز جورنال»، فإن خامنئي استثمر أكثر من عشر سنوات في إعداد إبراهيم رئيسي ليكون خليفته قبل مقتله في حادث مروحية 2024. وعندما مات رئيسي، لم ينهر النظام، بل انتقل بسرعة إلى بدائل أخرى، مما يثبت أن المشروع أكبر من أي رجل، حتى لو كان ذلك الرجل هو المرشد الأعلى.
هشاشة الآخرين: درس في التباين
قارن هذا بما يحدث في الأنظمة العربية المجاورة. هناك، النظام مبني على الفرد، وليس على المؤسسة. اغتيال قائد واحد، أو حتى سجنه، يمكن أن يشل الدولة بأكملها. تعمل هذه الأنظمة على مقولة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر حول «السلطة الكاريزمية» التي تموت بموت صاحبها. لكن إيران تبنت نموذج «السلطة القانونية العقلانية»، التي تستمر حتى لو تم استهداف القمة.
في هذا السياق، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قبل اندلاع الحرب، عبارة تلخص كل شيء: «إذا اندلعت الحرب مع أمريكا، فقد نخسر بعض القيادات، لكن تلك ليست مشكلة كبيرة. نحن لا نضع قيودًا على الدفاع عن النفس». إنها عقلية تتعامل مع القادة كجنود قابلين للاستبدال، وليس كأصنام لا تعوض.
وحتى عندما اعترف مسؤول إيراني كبير، وهو مهدي محمدي، كبير مستشاري رئيس البرلمان، بوجود «اختراق أمني هائل»، وقال صراحة: «جميع قادتنا الكبار قُتلوا في غضون ساعة واحدة»، لم يستسلم النظام. بدلاً من ذلك، تفعَّلت الآليات البديلة، وتولى قادة الصف الثاني والثالث المهام، مستمرين في قصف «إسرائيل» بالصواريخ، وكأن شيئًا لم يحدث.
من قاسم سليماني إلى علي لاريجاني: استمرارية المدرسة
عندما اغتيل سليماني في يناير 2020، قال خامنئي إن «مدرسة سليماني» ستبقى، وكان محقًا. أثبتت الأيام أن «الشهيد سليماني كان أخطر على العدو من الجنرال سليماني». لقد تحول إلى أيقونة وأسطورة، وليس مجرد قائد عسكري.
ما حدث في 2025 و2026 هو مجرد امتداد لنفس المدرسة. فاغتيال لاريجاني وخامنئي وقادة الحرس الثوري لم يوقف آلة الحرب، بل على العكس، أظهر أن هذه المدرسة لديها «قائمة انتظار» طويلة من القادة الجاهزين. حتى إن بعض المحللين لاحظوا أن عملية «التصفية الجسدية» التي قامت بها «إسرائيل» أدت إلى «تسريع دورة الدماء» في النظام، وإحلال قادة أصغر سنًا وأكثر تشددًا وطموحًا مكان القادة القدامى. بعبارة أخرى، لم تقتل «إسرائيل» النظام، بل جعلته أكثر شراسة وكفاءة.
الخاتمة
إذن، ما سر هذا الصمود؟ إنه ليس أمرًا خارقًا، بل هو ثمرة تخطيط استراتيجي بدأ قبل 47 عامًا من الثورة. إيران بنت «دولة» بالمعنى الغربي للمصطلح (مؤسسات، خطط خلافة، لامركزية في القرار)، كما أقامتها على مداميك ثقافية حسينية «شرعية دينية» و»خطاب ثوري» يضفي على الاستشهاد قدسية تجعل القائد أكثر قوة بعد موته.
العبرة التي تقدمها إيران لجيرانها العرب ليست في تشددها الديني، بل في مؤسسيتها الحديدية. فطالما بقي النظام قائمًا على «الهرم البديل» و»تخليق الكفاءات»، فإنه لا يمكن اغتياله. كما قال الكاتب اللبناني الراحل نبيل بويز: «أنظمة الشرق الأوسط لا تسقط عندما يموت قادتها، بل عندما تموت أفكارها.. وإيران أثبتت أن فكرة (النظام القابل للاستبدال) هي وحدها التي لا تُقتل».
بينما تستمر الحرب وتتساقط القيادات، يبقى السؤال الذي يخيف «إسرائيل» وأمريكا: كم عدد القادة الذين زرعتهم إيران في السنوات الأربعين الماضية؟ والجواب، الذي تخشاه واشنطن، هو: أكثر مما يمكن لقنابلها أن تحصيه.










المصدر سامي عطا
زيارة جميع مقالات: سامي عطا