الاتهامات كسلاح لإخفاء العفن المشترك
- سامي عطا الأثنين , 26 يـنـاير , 2026 الساعة 12:14:43 AM
- 0 تعليقات

سامي عطا / لا ميديا -
لا يمثل التبادل العنيف لاتهامات الفساد بين «المجلس الانتقالي الجنوبي» و«شرعية الفنادق» سوى حلقة جديدة في مسرحية مأساوية قديمة. فاستخدام الإعلام التابع لـ«المجلس الانتقالي» لتوجيه سهام الفساد نحو رشاد العليمي، رداً على كشف ملفات فساد داخل صفوفه، يكشف منطقاً عقيماً ومتداعياً، منطقاً يقول: «كلنا غارقون في المستنقع نفسه»، أو كما يقول المثل المتواتر: «لا تعايرني ولا أعايرك، الهَمّ طايلني وطايلك».
هذه الآلية التبريرية لا تُذكرنا بصراعات اليوم فحسب، بل تعيد إنتاج شبح الماضي بكل وضوح. يعود هذا المنطق إلى عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، الذي هدد خصومه مرة في أحد خطاباته رداً على حملة مماثلة شنتها صحافة أحزاب اللقاء المشترك، حيث قال بأنه يمتلك «ملفات فساد لخصومه»، في إعلان صريح أن الفساد أصبح عملة سياسية مشتركة وعصا للتخويف، لا جريمة يُحاسب عليها.
وهذا يؤكد ما ذهب إليه كثير من المحللين من أن النظام السياسي اليمني، بتحولاته المختلفة، قد أسس لـ«اقتصاد الريع السياسي»، حيث يكون الفساد أداة للولاء والتحكم، وليس مجرد انحراف إداري. كما يقول المفكر إيريك هوبسباوم: «عندما تصبح الدولة نفسها مصدر الغنيمة الرئيسية، يتحول الصراع السياسي إلى حرب للاستيلاء على خزائنها».
المأساة الحقيقية تكمن في استغلال المظلومية التاريخية، كما يفعل بعض أطراف «الانتقالي» كغطاء لاستمرار الممارسات نفسها. فالفريقان، رغم الاختلاف الظاهري، يعملان ضمن «منظومة فساد واحدة» موروثة، تجد جذورها العميقة في «نظام 7/7» الذي أفقر البلد وشعبه. إنهم بذلك يحولون آلام الناس وقضاياهم العادلة إلى «رأس مال سياسي» يُستثمر في معارك النفوذ والاغتناء. وهذا يذكر بمقولة المفكر المصري علاء الأسواني: «أخطر أنواع الفساد ليس فساد المال، بل فساد الضمير، حين يقتنع الفاسد بأنه بطل أو مناضل».
من المؤسف أن الطرفين يستخدمان خطاباً أخلاقياً ظاهرياً بينما الممارسة هي استمرار للتآكل وإهدار مقدرات الوطن. فاسدو «الفنادق» في الرياض وغيرها ليسوا سوى امتداد عضوي للثقافة والمؤسسات نفسها التي أنتجت الكارثة، وقد تمكنوا من البقاء لأن النظام القديم لم يُهزَم جذرياً، بل أعاد ترتيب أوراقه تحت عناوين جديدة. كما يحذر العالم السياسي آدم برزيورسكي من أن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على الانتخابات فقط، بل على «المساءلة والمحاسبة»، وهي الآلية الغائبة تماماً في المشهد اليمني الحالي.
ختاماً، إن هذه الحرب الإعلامية بالفساد هي أقرب إلى «رقصة الموت» لنخب متشابكة المصالح. إنها تعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها، وتثبت أن اليمن -للأسف- لا يزال أسير «لعنة الفساد المؤسسي»، الذي يحول كل الصراعات إلى سوق لتبادل الاتهامات والصفقات، بينما يدفع الشعب الثمن من دمه وقوته ومستقبله. وكما قال كاتب يمني لا يحضرني اسمه: «أتعس الحروب تلك التي لا يعرف الناس فيها مَن يحارب مَن، ولا يعرفون لماذا يموتون!»، وعليه يمكن القول بأن أتعس الفساد ذلك الذي يتنكر بثوب المنقذ، ويحول شعارات العدالة إلى سلعة في سوق النفوذ.










المصدر سامي عطا
زيارة جميع مقالات: سامي عطا