سامي عطا

سامي عطا / لا ميديا -
المشهد في المناطق الجنوبية من اليمن يسلط الضوء على ظاهرة سياسية بالغة الأهمية في تعقيدات المشهد اليمني، وهي ظاهرة استمرارية النظام القديم تحت أسماء وواجهات جديدة. فما يُصطلح على تسميته بـ«الشرعية» في المناطق الخاضعة للسيطرة السعودية -الإماراتية، سواء في عهد الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي أو تحت مظلة «مجلس القيادة الرئاسي» برئاسة رشاد العليمي، ليس في حقيقته كياناً جديداً منفصل الصلة بالماضي، بل هو امتداد عضوي وطبيعي لنظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، من حيث التركيبة السلطوية والنهج السياسي وشبكة المصالح والتحالفات القبلية والعسكرية. لقد نجح النظام في إعادة إنتاج نفسه بعد التحولات الكبرى، محتفظاً بالجوهر رغم تغيير بعض الوجوه والشعارات.
وفي السياق نفسه، لا يختلف وضع «المجلس الانتقالي الجنوبي» كثيراً عن هذه الصورة. فغالبية قياداته البارزة وشخصياته المؤثرة هي وجوه عملت ضمن دوائر نظام علي صالح لسنوات طويلة، وتربّت في مدرسته السياسية. ما حدث هو نوع من التفريخ الداخلي للنظام السابق، حيث أدت الأزمات والانقسامات إلى ظهور كيانات جديدة تحمل أيديولوجيات أو خطابات مختلفة (كالقضية الجنوبية)، لكنها تنتمي من حيث الأصول والطباع إلى المنظومة ذاتها.
وهنا تكمن المفارقة العميقة التي يشير إليها الواقع الحالي، فكما شهد عام 2011 انشقاقاً داخل نظام صالح، حيث برز فريق تسلق ساحات الاحتجاج الشعبية وارتدى ثوب «دعم الثورة» و«الوقوف مع المطالب الشعبية» كوسيلة للبقاء والاستمرار في الواجهة، تتكرر اليوم نفس الآلية في المناطق الخاضعة لما تسمى بالشرعية. فجزء من قادة هذه «الشرعية» انشقّ عنها رسمياً وانتقل إلى صف «المجلس الانتقالي»، حاملاً معه نفس الأدوات والعلاقات، لكن تحت شعار جديد هو «استعادة دولة الجنوب العربي» والقضية الجنوبية.
هذه الظاهرة ليست مجرد صدفة أو تكتيكاً عابراً؛ بل هي آلية بقاء تميز الأنظمة السلطوية ذات الجذور العميقة. عندما يشعر النظام بالخطر، لا يتردد في تفريخ «معارضة موجهة» منه وإليه، تحول دون ظهور قيادات ومعارضات حقيقية جذرية خارج إطاره. وبذلك، يبقى الصراع محصوراً داخل الحلقة القديمة نفسها، ويتحول الخلاف إلى نزاع على الحصة والنفوذ بين أجنحة من ذات المنظومة، بينما يبقى الهيكل الأساسي للسلطة والتبعية والخضوع للوصاية الخارجية قائماً لم يتزحزح.
وفي محصلة هذه الحالة هي الاستمرارية المتجددة للأزمة. فالصراع الظاهري بين «شرعية» و«انتقالي» يخفي تحته تواطؤاً في الإبقاء على اليمن ساحة للصراعات الإقليمية ومنطقة للنفوذ.

أترك تعليقاً

التعليقات