قراءة في مقولة «اليمن أمن قومي سعودي»!
- سامي عطا الأثنين , 22 يـونـيـو , 2026 الساعة 10:31:27 PM
- 0 تعليقات

سامي عطا / لا ميديا -
بدءاً، هناك مشهد قلَّ نظيره في تاريخ العلاقات الدولية، حيث خرج وزير دفاع ما تسمى بـ«الشرعية» في اليمن ليعلن أن اليمن ليس أكثر من «أمن قومي سعودي»، وأن أي دعم أو تمويل خارجي لا يمكن أن يمر إلا عبر الرياض. لو صدر هذا التصريح من مسؤول سعودي، لكان مفهوماً في سياقه؛ فهو يعبر عن رؤية دولة لأمنها القومي. بيد أنه حين يصدر من مسؤول يمني، فهو ليس مجرد زلة لسان، بل إعلان رسمي تتنازل فيه دولة عن سيادتها، وتطويع لمفهوم الأمن القومي لخدمة وصاية خارجية.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لا يجرؤ أحد على أن يقول إن «المملكة السعودية أمن قومي يمني»؟
أولاً: قراءة في التناقض
ليس خافياً أن اليمن، بموقعه الاستراتيجي على مضيق باب المندب وامتداده على البحر العربي، يشكل عمقاً جغرافياً للمملكة. ولطالما نظرت الرياض إلى اليمن باعتباره «جزءاً أصيلاً من الأمن القومي السعودي». لكن تحويل هذه النظرة إلى حقيقة سياسية يعلنها مسؤول يمني، هو قلب للعلاقة الطبيعية بين الدول.
إن الأمن القومي -كما عرَّفه الفكر الاستراتيجي- هو «قدرة الدولة على تأمين استمرار أساس قوتها الداخلية والخارجية». وهو مفهوم يرتبط بالسيادة والاستقلال، لا بالتبعية والارتهان. فكيف لدولة أن تؤمن أمنها القومي وهي تعلن أن أمنها مرهون بأمن دولة أخرى، دون «reciprocity» (المعاملة بالمثل)؟
وقد لاحظ المحللون أن «السعودية شعرت بتهديد مباشر لأمنها القومي في ظل تعقيدات المشهد اليمني»، وأنه «عندما يتعلق الأمر بأمن المملكة القومي تنتهي المجاملات». وهذا حق طبيعي لأي دولة. لكن المفارقة أن اليمن، بدلاً من أن يتبنى أمنه القومي، أصبح طرفاً في الإعلان عن أمن جاره، وكأن أمنه هو ذاته أمن ذاك الجار، وليس العكس.
ثانياً: لماذا لا يقول أحد إن «السعودية أمن قومي يمني»؟
الجواب يكمن في علاقة القوة غير المتكافئة. فالأمن القومي، في العلاقات الدولية، ليس حلوى يتقاسمها الجميع. إنه نتاج توازن قوى، ومصالح، وسيادة. دولة تعلن أن جارتها «أمن قومي» لها، إنما تعترف ضمنياً بأن وجودها واستقرارها مرهون بتلك الجارة.
ولو قال مسؤول يمني إن «السعودية أمن قومي يمني»، لكان ذلك اعترافاً بأن اليمن قادر على حماية المصالح السعودية، وأن له دوراً فاعلاً في المعادلة الإقليمية. لكن الواقع يقول غير ذلك: اليمن اليوم، في نظر كثير من صنّاع القرار السعودي، ليس شريكاً، بل ساحة للنفوذ. وقد أشارت تقارير إلى أن «حضرموت جزء من الأمن القومي السعودي»، وهو تصريح يحوِّل جزءاً من أراضي اليمن إلى منطقة نفوذ سعودي، لا إلى شريك في الأمن المشترك.
هذا التناقض يفضح خللاً جوهرياً في مفهوم الأمن القومي عند من يرددون هذه المقولة؛ فالأمن القومي ليس وصاية، بل تكامل. وليس إخضاعاً، بل احترام متبادل.
ثالثاً: الأمن القومي بين الوصاية والتكامل
إن الأمن القومي للدول في عالم اليوم، كما يرى مفكرو العلاقات الدولية «كل لا يتجزأ» في عصر تتداخل فيه مصالح الدول وتتشابك فيه كافة النواحي، بحيث أصبح أمن الدول متشابكاً ومترابطاً. وقد أكد الباحثون في مجال الأمن الدولي أن «الأمن هو نتاج تفاعل بين الدول، وأن هذا التفاعل يجعل الدول في حالة اعتماد متبادل». وهذا الاعتماد المتبادل -وليس الاعتماد الأحادي- هو أساس الأمن المشترك.
فالمفكر السياسي علي محمد فخرو، في تحليله لأزمات المنطقة، يشير إلى أن ما تحتاجه الحياة العربية هو «فكر سياسي جديد يعدِّل طبيعة العلاقات ويغيِّر الأولويات». فبدلاً من أن تكون العلاقة بين اليمن والسعودية علاقة وصاية وارتهان، ينبغي أن تكون علاقة تكامل تقوم على احترام السيادة واستقلال القرار.
إن الأمن القومي لا يتحقق بالغلبة والإكراه، كما لا يتحقق بتفويض السيادة لآخرين، بل يتحقق بإرادة وطنية قادرة على حماية المصالح، وبرؤية استراتيجية تضع مصلحة الشعب فوق أي ولاء خارجي. وما قاله وزير دفاع ما تُسمى «الشرعية» ليس أكثر من إعلان استسلام للوصاية، وتنازل عن حق اليمن في أن يكون فاعلاً لا مفعولاً به في معادلة الأمن الإقليمي.
رابعاً: الوصاية ليست أمناً
لقد أكدت السعودية مراراً أن أمنها «خط أحمر» لا تهاون فيه، وهو موقف مشروع. لكن المشكلة تكمن في أن البعض في اليمن يتبنَّى هذا الخط الأحمر وكأنه خطه هو أيضاً، متناسياً أن السيادة اليمنية ليست ملحقاً للأمن السعودي، بل كيان قائم بذاته.
إن وصاية طرف على طرف، كما يرى الفكر السياسي المعاصر، هي نقيض الأمن القومي الحقيقي. فالسيادة -كما يعرِّفها القانون الدولي- هي «حق الدولة في اتخاذ القرارات والسياسات والتشريعات فوق أراضيها». وعندما تتنازل دولة عن هذا الحق، فإنها تفقد جوهر وجودها كدولة، وتتحول إلى مجرد أداة في السياسات الإقليمية.
وقد حذَّر مراقبون من أن تحويل اليمن إلى مجرد «أمن قومي» لجارته، يعني تجريد اليمنيين من حقهم في تحديد مصيرهم. فما معنى أن تكون دولة مستقلة إذا كان أمنها القومي ليس لها، بل لجارتها؟
خاتمة: استعادة السيادة واستقلال القرار
إن مقولة «اليمن أمن قومي سعودي»، حين تصدر عن مسؤول يمني، ليست مجرد تصريح سياسي عابر. إنها وثيقة اعتراف بتفريط في السيادة، وإعلان عن وصاية، وتنازل عن حق اليمن في أن يكون له أمنه القومي المستقل.
واليمن، بتاريخه وحضارته وموقعه، ليس مجرد هامش في معادلة إقليمية. هو دولة ذات سيادة، لها حق في أن يكون أمنها القومي محورياً في سياساتها، لا تابعاً لسياسات جارتها. والأمن القومي -كما ينبغي أن نفهمه- ليس وصاية، بل تكامل. وليس إخضاعاً، بل احترام متبادل.
وحين يأتي اليوم الذي يقول فيه مسؤول يمني -أو سعودي- إن «المملكة السعودية أمن قومي يمني»، فإننا سنكون قد قطعنا شوطاً نحو علاقة متوازنة تقوم على المصالح المشتركة، لا على الوصاية والارتهان. لكن ذلك اليوم لن يأتي ما لم تستعد اليمن سيادتها، وما لم يدرك الجميع أن الأمن القومي الحقيقي يبدأ باحترام سيادة الآخر، لا بالتمركز حول سيادة الأقوى.










المصدر سامي عطا
زيارة جميع مقالات: سامي عطا