مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
القزّاز.. سيّد الحرير وراوية الضوء
قبل أن يعلو صرير المصانع على همس الأيدي، وقبل أن تصبح الأقمشة أرقاماً في فواتير البيع، كان هناك رجل يحاور الشرنقة، كما يُحاور شاعرٌ قصيدته الأولى.
رجل يعرف أن لكل خصلة روحاً، وأن خيط الحرير ليس مادة تُنسج فحسب، بل نبض يُصاغ.
ذلك هو القزّاز، الواقف بين الطبيعة والبشر، بين الشرنقة والقميص، وبين اللمسة والقلب، ليحوّل صمت دودة القز إلى موسيقى، وبساطة الشرنقة إلى ثروة من ألوان ونور.

مملكة صغيرة من الدفء
هناك، في تلك الزاوية المتواضعة من المدينة، ورشة صغيرة؛ لكنها واسعة بمدى الخيال.
شرانق بيضاء كقلوب الأطفال، مغازل تدور كنجوم صبورة، أدوات بسيطة لكنها تعرف طريقها جيداً...
يقف القزّاز كحارس نور، يفتح الشرنقة برفق، كمن يفتح كتاباً قديماً يعرف أنه مليء بالأسرار.
يفك الخيط، يغزله، يمدّه بين أصابعه، كمن يمد خيط الفجر على أفق الليل. يعرف أن كل حركة هي عهد، وكل خيط يحتاج حنانَ يدٍ لا تتعجّل.

أصابع الضوء ترقص
الألوان هنا ليست طلاءً يُسكب، بل حكايات تُروى: الأبيض نقاء ثلجٍ لم تطأه قدم، الأحمر غروبٌ اختزن حرارة الشمس في قلبه، الذهبي شمسٌ صغيرة تسكن القماش، والأزرق سماء أُخذت قطعة منها لتسكن بين الأكتاف...
يمزج القزّاز الألوان كمن يخلط مشاعر البشر: قليلاً من الفرح، قليلاً من الهدوء، قليلاً من الحنين... ثم يُخرج قماشاً لا يُرى، بل يُحَسّ؛ قماشاً يشبه الأغنية حين تُلامس الروح.

حكايات لا تُشترى
يأتي الحرفيون، تأتي النساء بأحلام أقمشة الأعراس، يأتي الأطفال بعيون تبتلع الضوء...
لا يبيع القزّاز حريراً فقط، بل يبيع لحظات دهشة.
يحكي لهم عن الشرنقة الأولى التي فُتحت بوجل، عن الليالي الطويلة التي ظل فيها ساهراً، لأن الخيط لا يحب العجَل، وعن القطع التي خرجت من هذه الورشة، لتسكن أعناق العرائس، وستائر البيوت، وأحضان الذكريات.
ويهمس دائماً: "كل خيط يحمل صبر إنسان. وكل قطعة حرير تحمل عمراً صغيراً من الحب".

أدواته.. رُفقاء عمرٍ طويل
مغزل يعرف صوت أصابعه، مشط يطيع يده، مقص لا يخطئ اتجاهه، ودفّ صغير كروحٍ تحتفل حين يكتمل النسيج...
كل أداة ليست جماداً، بل شريكٌ يعرف نبض هذه المهنة.
فالقماش لا يولد دفعة واحدة، بل يخرج إلى الدنيا كما يخرج الطفل: دفئاً بعد دفء، وخيطاً بعد خيط.

يوم يبدأ بحلم وينتهي بابتسامة
يبدأ النهار بشرنقة؛ لكنه ينتهي بقصيدة من لون ولمعان.
يقيس الرطوبة، يطمئن على خيوطه، كما يطمئن الأب على أطفاله، ينسج، يرقّع، ويبتسم حين يرى بريق الحرير يعكس نور الصباح.
والأطفال، دائماً الأطفال، يقفون على باب الورشة، كأنهم يقفون على باب حكاية، تدهشهم تلك الخيوط التي تلمع، كأن الضوء نفسه تحوّل إلى قماش.

حين تغيّر الزمن
ثم جاء زمن الحديد والآلات... زمن السرعة.
دخلت الأقمشة الجاهزة، تجلس على الرفوف، بلا روح يدٍ ولا عرق جبهة.
غابت ورش كثيرة؛ لكن القزّاز لم يغب.
ظلّ اسمه حياً، في وشاح تُقبّله عروس، في ستارة حريرية تُنيرها الشمس، في ذاكرة أمّ تحكي لأبنائها عن زمن كان القماش فيه يُحاك كما تُحاك القصائد... حبّاً حبّاً.

رمز الصبر والجمال
لم يكن القزّاز ناسج قماش، بل ناسج حياة.
كان معلّم صبر، وداعية جمال، وشاهداً على زمن كانت فيه الحرفة أخلاقاً، واليد كتاباً مفتوحاً على الأمانة والإتقان.
وفي كل خيط حرير، وفي كل قطعة تلمع في الضوء، يمر ظلّه الجميل ويبتسم الزمن.

خاتمة:
ربما اختفى القزّاز من الأسواق؛ لكن روحه لم تختفِ.
ما دُمنا نؤمن أن اليد تصنع ما تعجز عنه الماكينة، وأن الصبر يولّد الجمال، وأن البساطة ليست فقراً، بل كرامة... فإن الزمن الجميل لا يموت!
يبقى حيث يبقى الحرير صادقاً، وحيث تبقى القلوب تعرف قيمة ما يُصنع بحب.

أترك تعليقاً

التعليقات