وظيفةُ الخوف
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
اليدُ مغلولةٌ إلى عنقِ اليأس؛ فلا حراك، والقلبُ مسكونٌ بالخوف؛ الخوف من كل شيء! فماذا عسى الكلمات أن تصنع في ظل هذا الخراب؟!
إن قلتَ؛ فلا يجوز لك أن تخرج عما رسمه الراسخون في التدجين والتخدير والتهريج والتفاهة. ثم مَن أنت حتى تختط لقلمك مساراً خارج دائرة المألوف؛ وخلاف ما انتظمت عليه خطوات القطيع؟! أنت مجرد كتلة من الخوف؛ أنت مجبولٌ على تقبل العيش مع الوهم؛ تدورُ حيث يدور السحرةُ، وما أكثرهم! فهناك سحرةٌ في الفكر؛ وسحرةٌ في العقيدة والسياسة والاجتماع والإعلام والتربية والاقتصاد والفتوى؛ عليك الدخول بمذهبهم والتزام سنتهم.
أيها الضعيفُ المثقلُ بمرارة الهزيمة: أنتَ سجنُ ذاتك وسجانها! لا تقل لي: ثمة مَن يحصي عليك أنفاسك؛ من خلال جيشٍ من الغوغاء وعسس السكارى بكرمةِ التسلط والنفوذ؛ لأنك قبل هذا عليك أن تتغلب على الرقيب الساكن بين جنبيك! فإن أهم حارسٍ للباطل هو: ذلك الخوف من الصدوع بالحقيقة الذي يتولى فلترة كل كلمة تصدر عنك وقبل أن تكتبها أو تنطقها.
لقد كان الخوف ولا يزال لدى كثير من المجتمعات هو السجان الداخلي الأشد قسوة من كل سجاني الطغاة والمستبدين! لذلك لم يكن واقعها الخارجي إلا انعكاسا لما تكون في داخلها؛ والأمةُ المسكونةُ بالخوف من تشخيص علاتها؛ أمةٌ لا تستحق الحياة؛ والقلمُ المأخوذ بأصابع مرتعشة؛ قلمٌ عديمُ الشرف والكرامة؛ لا ينتج سوى الابتذال والعدمية؛ لأنه لم يقم بدوره المنوط به في المكاشفة مع الذات، والكشف للواقع كله! وتلك وظيفة الخوف. إنه المعني بتفتيش الأفكار في الرؤوس قبل أن تولد على الطبيعة؛ فكم من التساؤلات قد سطا عليها وصادرها قبل أن تُطرح؛ وكم نصب من مشانق وأظهر من قيود في وجه كل مَن فكر ولو لمرة واحدة أن يكون حراً!
لذلك لا غرابة إن بات معظم الناس معتادين على الصمت؛ يعيشون تحت وطأة الإدمان على السير خلف القطيع، فيهربون من المواجهة؛ ويحبون الزيف، ويكرهون المساءلة؛ ولا ضير لديهم ببيع الكرامة والقضية والمصير بالفتات!
فأيُ شيء يمكن أن ترتجيه من مجتمعات رضعت الخوف في حليب الأمهات سوى الضعف والضعة؟! فالخوف لا ينتج سوى هؤلاء المنهكين والخشب الهشة؛ فلا شيء يفزعهم أكثر من أن يبدوا يوماً مختلفين عن سابقيهم؛ أو رافضين للبقاء في قوالب العرف والعادة. والمجتمع الذي يفضل البقاء في القوالب هو: مجتمعٌ عديم الذات؛ كونه نسخة مكرورة من أسلافه؛ وبالتالي فهو صالحٌ للعرض؛ لكنه لا يصلح للحياة.

أترك تعليقاً

التعليقات