متى يفقد المثقف شرفه؟
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
تعودت الثورات الكبرى أن تُهزم مرتين. مرة في ساحة المواجهة مع النقيض الذي ثارت عليه؛ حين تستعيد سيرته بممارساتها؛ ومرة في غرف التحرير والخطاب. والسؤال الذي يطاردنا اليوم ليس عن العدو الخارجي بقدر ما هو عن الداخل: كيف انتصرت الرؤية الفقهية الجامدة المنغلقة على الرؤية القرآنية المتسمة بالتجدد والسعة والثورية؟ ولماذا صار قول الحقيقة تهمة، وبيع الوهم وظيفة؟ ولماذا ينتهي المتمسكون بالثوابت إلى المنفى، بينما يفتح الممسكون بالعصا من المنتصف كل الأبواب؟
القرآن لم يقدم نفسه كمدونة مغلقة، بل قدم نفسه كمنهج حياة يتجدد بتجدد الإنسان والزمان والمكان. فيه إعلان ثوري يقول كنتم خير أمة أخرجت للناس، وفيه وعد باليسر يقول يريد الله بكم اليسر، وفيه قدرة على تجلية الحق في النفس وفي الكون. لكن هذا النص المفتوح اصطدم بمصلحة السلطة. فالسلطة لا تريد نصا يسألها كل صباح عن العدل والشورى والكرامة، وإنما تريد نصا يجيب بأوامر ونواه. وهنا دخل الفقه الجامد كأداة إدارة، فتحول من علم مقاصد إلى علم قضاء، ومن فتح للآفاق إلى سد للذرائع. صار هم الفقيه هو حفظ الباب لا فتحه، وصار هم الحاكم هو الحصول على فتوى سريعة بلا كلفة سياسية. وكانت النتيجة أننا انتقلنا من قرآن يصنع الإنسان إلى فقه يصنع الخضوع، ومن نص يسأل إلى نص يُسكت، ومن دين يقود التاريخ إلى دين يبرر الواقع.
السياسة في جوهرها علم إدارة التناقضات، والحاكم يريد أن ينام مرتاحا. من يبيع الوهم يقول له إن كل شيء تحت السيطرة، وإن الشعب راض، وإن المشروع يسير كما خُطط له، وإن ما تراه من فشل هو مؤامرة. يغلف الهزيمة بالبلاغة، ويصنع من الرماد بطولة إعلامية. أما من يقول الحقيقة فيقول شيئا مختلفا تماما: هناك خلل في الأساس، والمشروع انحرف، والثوابت تُنتهك، والثمن سيأتي لاحقا. الأول مخدر والثاني جراح، وفي لحظات الخوف تختار السلطة المخدر دائما. لذلك يُفضل الساسة من يكتب لهم التقارير الوردية، وينفرون ممن يضع أمامهم المرآة. لذلك يُنفى الصادق، ليس لأنه خائن، بل لأنه يذكّر الحاكم كل يوم بأنه لم يف بالعهد الذي قطعه مع الفكرة.
هنا يظهر الفرق بين الولاء للمشروع والولاء للأشخاص. الولاء للمشروع له مقياسان بسيطان: هل تنتقده إذا حاد عن طريقه؟ وهل تدافع عنه إذا انتصر خصمك؟ أما الولاء للأشخاص فله مقياس واحد: هل أنت معي اليوم؟ الأول ولاء بارد ومكلف وصادق، والثاني ولاء دافئ وسهل ومربح. الممسكون بالعصا من المنتصف هم تجار النوع الثاني، لا يقولون نعم كاملة ولا لا كاملة، يبررون ويلوون الكلام ويصمتون في الوقت الحاسم، ولذلك تنفتح لهم الأبواب لأنهم لا يهددون أحدا. في المقابل فإن صاحب المشروع الثوري الرسالي المستعد للفناء من أجل الفكرة يهدد الجميع، لأنه يطالبهم بأن يكونوا أكبر من مصالحهم، ولأنه يرفض أن يتحول المشروع إلى راتب.
ويبقى السؤال عن الشرف. يفقد الإعلامي والكاتب والشاعر والمؤرخ شرفه في اللحظة التي يكتب فيها ما لا يؤمن به مقابل منبر أو مكافأة، وفي اللحظة التي تتحول فيها الكلمة من شهادة إلى سلعة. وعلامات النفاق الثقافي اليوم واضحة ولا تحتاج إلى منظار. أولاها الازدواج اللغوي، خطاب ثوري للناس في الداخل وخطاب تبريري للسلطة في الخارج. وثانيتها انتقائية الغضب، صراخ على الظلم البعيد وصمت مريب على الظلم القريب. وثالثتها تقديس الأشخاص، تحويل القائد إلى عقيدة وتحويل الخطأ إلى حكمة لا يفهمها العامة. ورابعتها تجارة القضايا، الحديث عن المظلومية كمهنة يومية لا كموقف وجودي. وخامستها الخوف من السؤال، فبدل الإجابة على السؤال يتم اغتيال السائل. وماذا لو اختفى تجار الثقافة من الساحة؟ لكانت الثقافة موجعة وصادقة وفقيرة، تقول ما لا يريد أحد سماعه، وكان ثمنها هو التهميش، لكنها أيضا لكانت الضمير الأخير المتبقي للأمة.
أما عملية قتل الثورة فلا تتم بضربة واحدة. القتل يتم على ثلاث مراحل. المرحلة الأولى هي التجميل، نأخذ الشعار ونعلقه على الجدران، فيصبح العدل كلمة في النشيد والحرية صورة في الحملة. والمرحلة الثانية هي التفريغ، نفصل الكلمة عن التكلفة، فتصبح التضحية خطبة جمعة والكرامة شعارا انتخابيا. والمرحلة الثالثة هي الاستبدال، نملأ الفراغ بمحتوى جديد، فيتحول المشروع الرسالي إلى مشروع وطني، ويتحول الفناء من أجل الفكرة إلى استقرار من أجل الاقتصاد. وهكذا تموت الثورة وهي تبتسم، لأنها ماتت باسمها وبيد أبنائها.
العدو الخارجي يطلق الرصاص على السور، لكن أنصاف الثوريين في الداخل هم من يفتحون الباب من الداخل. هم أول من يتعب، وأول من يخاف على مقعده، وأول من يقنع الجماهير بأن الواقعية أفضل من المثالية، وأن نصف مكسب خير من لا شيء. الثورات لا تسقط بضربة خارجية بقدر ما تسقط بتآكل داخلي، تسقط حين يتحول المناضل إلى موظف، وحين يتحول الحلم إلى تقرير إداري.

أترك تعليقاً

التعليقات