مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
إن من خصائص الأحداث الكبرى أنها لا تُستنفد بنظرة، ولا تُختزل بعبارة، كلما أوغلت النظر فيها انكشف لك ما لم يكن قد انكشف، واستغورت منها ما لم تكن قد استغورت، فهي كالبحر، كلما حسبت أنك بلغت قراره، ألفَيتَ له قراراً أعمق.
وثورة الحادي والعشرين من أيلول/ سبتمبر ليست استثناءً من هذه السنة، بل هي أظهر تجلياتها، لأنها لم تكن واقعة يوم، بل كانت ولادة مسار.

فما الذي هو لها.. بميزان الصدق؟
لها أنها أدركت اليمن على شفا التقسيم، والسيادة على شفا التبديد، والقرار على مائدة السفارات، والوطن يُجزأ كالغنيمة تحت مسمى الأقاليم، فجاءت كالسيف يقطع حبل المشنقة في اللحظة الأخيرة، فأسقطت الوصاية لا الحكومة فحسب، وأسقطت المشروع لا الأشخاص فحسب.
ولها أنها ابتُليت بما لم تُبتل به ثورة يمنية قط، فما كادت تتنفس صبحها الأول حتى تكالب عليها الأقربون والأبعدون، حصاراً براً وبحراً وجواً، وعدواناً عاصفاً لا يبقي ولا يذر، فثبتت. والثبات في وجه العاصفة ليس شعاراً، بل هو دليل نظري يفرض قوته على الأعوام، فحولت الحصار إلى احتضان، والعدوان إلى عنوان للهوية، والضعف الموروث إلى قوة مُركّبة تُحسب لها ألف حساب في معادلات الإقليم.
ولها أنها انتشلت الإنسان اليمني من حضيض التبعية إلى ذروة الندية، فبعد أن كان يستجدي الاعتراف على أبواب العواصم، صار يُملي معادلات الردع من صنعاء، ويكتب بمداد الصواريخ والمسيّرات فصلاً جديداً في تاريخ الجغرافيا السياسية، لم يكن ليخطر على بال أعتى المنظرين في 2014.
ولها أنها أحيت في الأمة روح القرآن كمشروع حياة لا كترتيل جنائز، وأعادت للمنبر هديره، وللمسجد دوره، وللهوية صفاءها بعد أن كادت تذوب في مستنقعات الاستيراد المذهبي والثقافي.

وما عليها.. بميزان الحق والوعي؟
وعليها أن الظفر في معركة السيادة لم يستتبعه ظفرٌ مماثل في معركة الريادة المعيشية، فالجماهير التي خرجت ترفض جرعة سعرية، وجدت نفسها بعد اثني عشر عاماً في مواجهة جرعات متتالية من الفاقة وشظف العيش وانقطاع المرتب وتآكل الخدمات. وما من ثورة تملك أن تدوم إذا كانت كرامة المواطن في الداخل أقل من هيبة الدولة في الخارج، فالناس لا يأكلون شعارات، وإن كانوا يموتون من أجلها.
وعليها أن طول المكث في حالة الطوارئ والاستثناء قد أنتج بيروقراطية ثورية ترى في الثورية حصانة من المساءلة، وفي الجهاد ذريعة للإثراء، وفي الانتماء صكاً للغفران، فنشأت طبقة جديدة تحجب الثورة عن الشعب، وتحجب الشعب عن الثورة، والثورة الحقيقية لا تحتاج إلى حجاب، بل إلى مرآة يرى الناس فيها وجوههم.
وعليها أن خطابها الذي كان في مهده خطاباً يمنياً جامعاً يتسع لكل من ضاقت به السفارات، قد ضاق في بعض مراحله حتى كاد لا يتسع إلا لمن وافقه، فأقصى بلسان المتعصبين من لم تقصه البنادق، فغدا بعض أبناء الثورة مقطوعي الصلة ببعض ثمارها، نارِيِّي الارتباط بآلامها.
وعليها أن فعلها الثوري سبق بناءها المؤسسي، فبنيت الجبهات قبل أن تُبنى اللوائح، وشُيدت المتارس قبل أن تُشيد المدارس بمعناها الحضاري الشامل، فبقيت الثورة فعلاً بطولياً خارقاً، ولم تتحول بعد بالكامل إلى دولة مؤسسات راسخة، تُورث القوانين لا الأشخاص، والمنظومات لا الأسماء.
إن السؤال في ذكرى الثورة 2026م لم يعد: لماذا قامت ثورة 21 أيلول؟ فقد أجاب عنه صمود اثني عشر عاماً.
وإنما السؤال: إلى أين تمضي؟
فالثورات العظيمة لا تموت حين تُهزم، بل حين تنتصر عسكرياً، فتكتفي بما تم، ولا تنسى حين تُحارب، بل حين تنسى هي نفسها مطالبها المتجددة.
لقد كان مطلب 2014 إسقاط الوصاية، ومطلب 2026 هو إرساء العدالة، وكان مطلب الأمس ألا يحكمنا الخارج، ومطلب اليوم أن ينصفنا الداخل.
فإن هي جمعت بين سيف يحمي السيادة، ورغيف يحمي الكرامة، وكتاب يحمي الوعي، فقد كانت بداية صحيحة لتدفق أقوى وأصح، وإن هي اكتفت بالسيف وحده، فإن الحدث العظيم يفقد بريقه بتلاحق الأعوام، مهما كانت عظمته.
تلك هي سنة الثورات، وتلك هي أمانة 21 أيلول في عنق أبنائها، كما نستشف ذلك من خلال إشراقة شمس صباح عيدها الثاني عشر.

أترك تعليقاً

التعليقات