هكذا كان سيدنا
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كان «سيد أحرار العالم» السيد «نصر الله» (ر) يرفض التحيزات والتصرفات الطائفية لا ترفعاً ولا تكتيكاً، بل لأنها تعيق فهم الإنسان لواجبه، وتشوش عليه هدف وجوده، وتقطع عليه طريق استخلافه. الطائفية سجن للعقل، وحجاب للقلب، وضيق في الصدر بعد سعة الرسالة. إذا دخلت الفكر أفسدته فصار يرى بعيون العصبية لا بعيون الحقيقة، وإذا دخلت العمل حرفته فصار العامل يسعى لحزبه لا لربه.
وكان ينطلق سماحته من رؤية قرآنية صافية، مصفاة من كل شائبة، تعتبر أن الأساس في العمل ليس الانتماء الطائفي، بل الصفة الأخلاقية. يقول في معرض حديثه في إحدى محاضراته عن الظلم والظالمين: «القرآن يأخذ موقفاً من الصفة التي تلبس بها هؤلاء وهي صفة الظلم. بمعزل عن أية صفة أخرى».
فتأمل. القرآن لا يسأل عن هوية الظالم، بل عن ظلمه. ولا يسأل عن نسب المظلوم، بل عن ظلامته. فالميزان ليس من أين جئت، بل ماذا فعلت. والصفة هي المناط، والعدل هو المعيار، والتقوى هي المقياس.
ولطالما كان يستحضر في محاضراته وخطاباته وصية شهيد شهر رمضان، الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو في اللحظات الأخيرة من حياته الشريفة، وروحه تعرج إلى بارئها، ودمه يسيل على محرابه، يوصي ولديه الحسن والحسين، ويوصي الأمة من ورائهما، بوصية صارت دستور الأحرار إلى قيام الساعة: «كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً».
الظالم أياً يكن دينه أو طائفته أو قوميته أو لونه أو لغته، والمظلوم أياً يكن دينه أو طائفته أو قوميته أو لونه أو لغته. فالعدو هو الظلم لا الطائفة، والحليف هو العدل لا العشيرة.
هذا الخطاب يضعنا أمام قائد نموذجي، كامل الرسالية، عميق الثقافة، شجاع النفس، واسع العقل، عظيم الخلق، عدا إخلاصه المطلق الذي لا حد له لقضية من عاهدوا محمداً صلى الله عليه وآله، وعلياً وأبناءه المعصومين على السير في دربهم ولو كان درباً من دم وأشلاء.
ولخطابه خمس خصائص، أو قل: هي خمسة أركان لخطاب لا ولن يموت:
أولاً: هو فعل بناء لا حاشية حدث.
لا يقع خطابه حاشية لحدث عابر، ولا تمهيداً لخبر طارئ، ولا تعليقاً على واقعة. إنه فعل بناء بكل ما في الكلمة من جلال ومعنى. هو إعداد للإنسان، للإنسان المشروع، للمشروع الإسلامي الممتد من كربلاء إلى زمن الظهور والتمكين، من أول قطرة دم سالت ظلماً إلى آخر راية عدل ترفع على الأرض. إنسان العدالة المطلقة، الذي تصير الشهادة بالنسبة إليه فعلاً محبباً يتمناه لنفسه ويعشقه، لأنها وحدها الكفيلة بأن تؤمن حياة حرة كريمة لمحبي الحياة من الأجيال اللاحقة، الذين لم يولدوا بعد.
ثانياً: هو خطاب منتج للثقافة لا مستهلك لها.
يعد خطابه خطاباً منتجاً للثقافة، لا مستهلكاً لها ولا مقلداً. فهو فهم عميق لمشكلات الإنسان المعاصر، وتشخيص دقيق للتحديات التي تواجهه في عصر التفكيك والتيه، وهو في الآن ذاته حل لها ودواء. ولذلك فإنه يمثل تباشير ولادة جديدة لثقافة الأمة، ثقافة قادرة، قوية، واقفة على قدميها، تستطيع أن تقف بوجه الثقافة الغربية التي باتت تنظر إلى الإنسان بوصفه كائناً هامشياً، شيئاً زائداً، نتيجة نظرتها التفكيكية العدمية إلى هامشية العقل البشري. وهذه الهامشية نظرة مضادة، مناقضة، مصادمة تماماً لنظرة الاستخلاف الإلهي التي ترى الإنسان خليفة الله على الأرض، ومركز الوجود، وغاية الرسالات.
ثالثاً: هو خطاب تحرير لا تخدير.
لا يحمل هذا الخطاب جرثومة السلطة الخبيثة التي يحملها الخطاب الآخر، الخطاب السلطوي الذي يمارس فعل التخدير والإغواء، وجر المخاطب من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، من حيث يدري ومن حيث لا يدري، ليصبح أداة عادية، ترساً صغيراً، رقماً بلا معنى في آلة مشروعه الذي يكون غالباً غير إنساني ولا أخلاقي. أما خطاب سماحته فهو فعل تفتيح للوعي، وإيقاظ للعقل، وتفجير للسؤال، وتحميل للعقل الفردي واجباته ومسؤولياته كاملة غير منقوصة. هو لا يخدر، بل يحرر.
رابعاً: هو خطاب شراكة لا استخدام.
خطاب سماحته إلى كل ذلك، لا يتعامل مع المخاطب بوصفه أداة تُستخدم لمرة ثم تُرمى، أو تابعاً يُعبأ ويُحشى لإنجاح مشروع ما بأي ثمن كان. يتعامل مع المخاطب بوصفه شريكاً أصيلاً في المشروع، وعقلاً كاملاً يفكر ويناقش ويحاور، وكائناً بشرياً بكل ما تعنيه العقلانية والشراكة والإنسانية من معنى وكرامة وجلال. هو لا يريد جمهوراً يصفق، بل يريد شركاء يبنون، ولا يريد أتباعاً يهتفون، بل يريد عقولاً تفكر.
خامساً: هي لغة صادقة لا مسروقة.
إن لغة هذا الخطاب لغة غير مسروقة، غير مستعارة، غير مراوغة، كتلك التي يستخدمها الخطاب الماكر الذي يسعى إلى تمرير الصفقات التعبوية التي ترى في المتلقي مجرد أداة ووسيلة. وهي لغة مباشرة، صافية، صادقة بشكل عام.
وإذا استخدمت الكناية والتشبيه والاستعارة فإنها لا تستخدمها لتؤسس على المعنى الأول البريء معنىً ثانياً مراوغاً، خبيثاً، يدس السم في العسل، ويدخل في خلد المتلقي الآراء التي تعطل عقله وتحول وجوده إلى وجود آلي، بل إن الصور البيانية عنده تقوم بالوظيفة النبيلة السامية التي أوجدتها اللغة من أجلها، وهي أن تكون أداة في خدمة رؤية المتكلم، وجسراً لإيصال الحقيقة، وقراءة للخصوصية فيما رآه من هذا الجانب من العالم.
هكذا كان سيدنا: إسلامه فوق الطائفية، وعدله فوق الانتماء، والإنسان عنده  فوق كل حساب، لأن ميزانه هو ميزان السماء.

أترك تعليقاً

التعليقات