مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
عادةً ما تُصاب بصدمة نفسية كلما اطّلعت على طبيعة الانحراف والتحريف الذي وقع في هذه الأمة؛ فلم يسلم لها دين، ولم تسلم لها دنيا. ولعل أوضح فصل يؤكد وجود تحريف في الإسلام هو: ما اختطه الكهنة والسحرة من أحكام ومقاصد وتشريعات وأفكار قسمت النفس الإنسانية إلى قسمين: قسم له الحق في كل شيء لكون تركيبه البيولوجي قائماً على الذكورة، وعليه فهو المستخلف والخليفة والسيد والمالك والعاقل والجدير بالتكريم من الله؛ وقسم ليس لوجوده معنى إلا كمجرد قطعة متاع يجب توفرها لإسعاد الذكر؛ أشبه ما تكون بسلعة أو ديكور للزينة؛ كل هذا لأن الله خلقها أنثى.
فهل المرأة خارج دائرة الآدمية حتى يسقط عنها معطى التكريم الإلهي في كتاب الله الذي قال: «ولقد كرمنا بني آدم» ولم يقل بني الذكور؟! ألم يجعل الله المرأة نداً للرجل، وأقام الحياة بينهما على الشراكة الكاملة فقال: «المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض...»؟! كيف جعلناهما في مقامين مختلفين وقد ساوى الله بينهما في المسؤولية والفاعلية والتبليغ والجهاد والتكليف بالإعمار والجزاء، فقال: «من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن...»؟!
لقد كانت المرأة في فجر الإسلام شريكة في حمل الرسالة ونصرة الدعوة وبيعة العقبة ومجالس الشورى وميادين التعليم والاجتماع والاقتصاد والسياسة... لقد كان هنالك نساء مثّل وجودهن سند المال والعقل والقلب للرسالة كلها، كما تجلى دور المرأة في ساحة القضاء والفتوى، وعُرفت كثيرات كمراجع للفقه والرواية والتعليم... بل لقد برز دور المرأة في ميدان العمل الإداري والمالي والرقابي، وعرف التاريخ منهن مَن صارت والية على السوق تضبط الميزان وتحاسب الغش. ولكن «دين السلطة» عدوّ لكل حُرّ، ولا يمكن لسلطة قائمة على الاستبداد أن تحتمل مجتمعاً نصفه أحرار. لذلك كان لا بد من مشروع ممنهج لإسقاط المرأة من مقام الشراكة إلى حضيض المتاع.
مرت عملية التدجين بثلاثة أطوار عبر القرون: الطور الأول هو: الطور الأموي، الذي شهد عودة منطق الغنيمة، مع تحويل الخلافة إلى مُلك وراثي، وعادت جاهلية السبي والجواري، فصار جسد المرأة بنداً في ميزانية القصر وغنيمة في دفاتر الأمراء. بالتوازي مع ذلك، تأسس فقه «الطاعة الزوجية المطلقة»، كصورة مصغرة عن «طاعة ولي الأمر». العلة نفسها والحكم نفسه: إلغاء الإرادة، وإلغاء السؤال.
ثم جاء الطور العباسي، وهو طور فقه الحريم وقصور الخليفة. وهكذا، فكلما اتسعت القصور، اتسعت الحاجة لوجود الحريم، فانصرف الفقه إلى تدوين «أحكام النساء» وترك «أحكام الإنسان». قُدم فقه الدم على فقه الحق، وفقه الزينة على فقه الشهادة، وفقه البيت على فقه العمران... وظهرت مصنفات «عيوب النساء» و«آداب ترويض الزوجة»... فتحول الدين من رسالة تحرير إلى كتيب تعليمات للاستخدام.
أما الطور الثالث فهو الطور الحديث، الذي يمكن تسميته بالاستعمار الداخلي. جاء الغرب بشعار «تحرير المرأة» سلاحاً استعمارياً، فردت عليه سلطة الاستبداد بشعار «سجن المرأة» سلاحاً مضاداً. فصارت المرأة ساحة صراع بين مشروعين لا يريدان لها كرامة. وباركت المؤسسة الرسمية هذا السجن بفتاوى «حُرمة الخروج» و«وجوب الولي»... فعاملتها معاملة القاصر الأبدي.
وتمت هذه العملية عبر ثلاث أدوات رئيسية: الأداة الأولى هي: الفقه الذكوري المختزل، الذي اختزل الدين كله في جسد المرأة. صار الحديث كله عن غطائها وصوتها وخطوتها وسفرها، بينما غُيّب تماماً فقه عدلها وعلمها وشهادتها وبيعتها وجهادها واجتهادها... فصار الدين عند العامة مجموعة فتاوى نسوية لا أكثر. الأداة الثانية هي: سطوة «الولي»، إذ تم تحريف مفهوم «القوامة»، من تكليف إلى تشريف، ومن مسؤولية إلى وصاية. تحولت من «قوامة على النفقة والحماية والرعاية» إلى «حاكم على الحركة والعقل والمصير». فأصبحت المرأة تستأذن لكي تتعلم، أو تعمل، أو تسافر، أو حتى تتداوى... كأن البلوغ عندها لا يكتمل أبداً. الأداة الثالثة هي: التكريم الكاذب. يُرفع شعار «الجنة تحت أقدام الأمهات»، ثم يَحرمها من الميراث؛ ويُتلى «رفقاً بالقوارير»، ثم تُكسر ويُقال هذا تأديب... فصار التكريم خطابة، والتدجين ممارسة يومية.
إن الهوة بين «إنسانية القرآن» و«التبعية للسلطة» هوة واسعة. فإنسانة القرآن هي التي قال الله تعالى عنها: «المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض»، فتبايع وتشهد وتجاهد وتفتي... وهي مسؤولة أمام الله عن دينها وعقلها، وكرامتها لصيقة بإنسانيتها. أما التابعة للسلطة فقد فسّروا لها آية «الرجال قوامون...» بأنها حكم لا وظيفة، فصارت ممنوعة من العام، ومحصورة في شرف القبيلة، وكرامتها هبة من الولي.
من هنا، كان لتعطيل نصف الأمة خراب على ثلاثة مستويات: في مستوى الدين تم تشويهه وتقديمه للعالم كدين عدو للمرأة، بينما هو الدين الذي وأَدَ الوأْدَ الجاهلي، وأقام للمرأة ذمة ومالاً وشهادة.
وفي مستوى الأسرة، تحولت من ميثاق «سكن ومودة ورحمة» إلى علاقة «سيد وتابع»، فماتت الرحمة وبقي الخوف.
وفي مستوى الحضارة، تعطل نصف عقول الأمة، ونصف طاقاتها، ما جعلها أمّةً محكوماً عليها بالتخلف.

أترك تعليقاً

التعليقات