كيف تبلغ الفرعونية تمامها؟
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
الحقُ كفكرةٍ مجردةٍ لا يكفي وحده لإيجاد الأرضية الصلبة لتحقيق التحول المطلوب في الحياة والمجتمع؛ فكم هنالك من مشاريع عمدها الوحي؛ وصدع بها لسانُ صدقٍ نبوي؛ ولكنها لم تقر في دواخل النفوس إلا كما يستقر الهواء في وعاءٍ مثقوب! وكان نصيب الواقع العام منها كنصيب الطير؛ إذ لم تفعل شيئاً سوى أنها حركت المياه الراكدة لبرهة زمنية قصيرة؛ إلى أن تحقق للناس التغيير المراد حدوثه من قِبلهم؛ لكنه تغييرٌ فاقدٌ لمعناه وجدوائيته؛ لأنه اكتفى بتغيير الماضي في الشكل فقط؛ بينما ترك المضمون على ما هو عليه! فضل الناس من باب الهداية؛ وعلا على كرسي السلطان؛ فراعنةٌ يقولون مقالةَ الأنبياء؛ ويسطرون أحكامهم الظالمة باسم الله! وكم من جرثومٍ للانحراف نما على سجادة الصلاة! وكم ارتدى الشيطان رداء الملاك؛ فخدع أمماً بخطبه وبرامجه المتخذة من الحق مسوحاً لتجميل قبيح بضاعته، وإسقاط كل معنى إلهي من علياء القدسية إلى وحول الرجس والدنس؛ فمات الإنساني في وعي علماء السوء؛ وصيغ التوحش بطريقة جعلت من الذات الإلهية مفتياً في بلاط الملوك والزعماء!
إن أهم العلامات التي تظهر الفرق بين ما هو من عند الله؛ وبين ما هو من عند أنفسٍ قالت على الله ما لم يقل؛ وشرعنت باسمه كل ما هو داخل في ما نهى عنه؛ وسبب في حلول غضبه وسخطه على الدول والإمبراطوريات، هي؛ اتخاذ الإذلال والقهر سبيلاً لفرض السياسة الواحدة والخطاب الوحيد على الواقع؛ فلا مكان للاعتراض، ولا قابلية للنقد، ولا وجود لأدنى مساحة لتقبل التقييم والمراجعة؛ هنالك تمتطي الفرعونية الرقاب بدعوى رحمانية؛ وتصبح أي ممارسة سلبية؛ أو أي شكل من أشكال الانحراف والظلم والفساد محميةً بفرمان سماوي؛ وعندها لا مجال لأحد أن يعترض على حاكمية سلطة تسير وفق ما يقرره الخالق؛ وتبني كل توجهاتها وفق إرادته سبحانه! فقراراتها دين؛ وممارساتها إيمان؛ وظلمها وبطشها وتعديها خدمة للوحدانية!
هنا؛ تكتمل دورة الاستبداد؛ ويتسع نفوذ الطغيان؛ وترسخ حاكميته في الأنفس قبل أن تسود الآفاق؛ لأنها استطاعت أن تقهر النفوس. وهو: بالطبع؛ ليس قهراً بالقيد والكرباج؛ ولا وليد الخشية من السيف والمقصلة؛ بل هو: القهر المصحوب بالاستخفاف بالعقول؛ استخفافٌ مصبوغ بصبغة دينية؛ الأمر الذي يستوجب الطاعة المطلقة للحاكم؛ وهنا، لم يعد الطغيان عاملا خارجيا يمكن الوقوف بوجهه، والقضاء عليه؛ وإنما قد استوطن النفوس؛ فأضحى ينطلق من دواخل المجتمعات كتعبير عن إرادتها؛ ودليل على اختيارها؛ فتعمل هي على فرضه على الواقع؛ لا أن تنتظر أحدا لكي يفرضه عليها من الخارج.
وعليه؛ سيتحول الطغيان من عنفٍ يمارَس على الجماعة إلى وعيٍ تسكنه الجماعة. فإنّ القوم إذا ظلّوا يرون الظالم ظالماً، وإن عجزوا عن مقاومته، بقي فيهم أصلُ الحياة، وبقي بابُ الانقلاب مفتوحاً. أمّا إذا استخفّهم حتى صارت مقاييسهم تابعةً لمقاييسه، وأذواقهم مربوطةً بأهوائه، وخوفهم منه ممتزجاً بإعجابهم به، واستنكارهم لظلمه منقلباً إلى اعتذارٍ له، فهناك تبلغ الفرعونيّة تمامها؛ لأنّها لم تعد تملك الأبدان فقط، بل دخلت إلى باطن الوعي، وصارت الجماعة تحمل سجّانها في داخلها.

أترك تعليقاً

التعليقات