ترنيمةٌ في محرابِ اليُتمِ الأزلي
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
سيدي: لا نزال في ليل المأساةِ نتجرعَ كؤوسَ الحزنِ، ونتقلبُ على بساطٍ من لظى الفقدِ. وكيف لا نحزن؟
لأنك أنت؛ حقَّ على المآقي أن تتفجر دمعاً، وعلى القلوبِ أن تتفطر دماً، وعلى الدنيا كلها أن تلبسَ السوادَ سرمداً.
فقد كنا بكَ أعزاء، وكنا بعمامتكَ الشريفةِ أسيادَ هذا الزمان، وكنا بعباءتكَ الطاهرةِ نلوذ كلما داهمنا خوفٌ أو أحسسنا بضعف، وكنا بك أغنياءَ عن العالمين. فإذا بكَ تمضي، وإذا بالعزِّ يرفعُ خيمتهُ، والشرفُ يطوي رداءهُ، والآمالُ تتيتمُ على قارعةِ الطريق.
كنتَ لنا يا سيدي الظلَّ حينَ لا ظلَّ إلا لظى الهجير، والسترَ حينَ تعرّتْ كلُّ العورات. من صنعاءَ المذبوحةِ إلى بيروتَ المجروحةِ إلى قدسنا المسبية، لم يكنْ لنا إلا عباءتكَ نستظلُّ بها من هجيرِ الخذلانِ العربي.
فلا يومَ كيومكَ يا سليلَ الحسين، ولا فاجعةَ تداني فاجعتك. القلوبُ بعدكَ جمرٌ لا يخمد، والأكبادُ مواقدُ شوقٍ لا تنطفئ.
عامانِ مرا على الكارثةِ التي شقتْ صدرَ الدهر، ونحنُ نستقبلها اليومَ كأنها وقعتِ الساعة، طريةً داميةً لم تندمل. فللهِ أنتَ.. ما أعظمَ حضوركَ حتى في غيابك! تجعلُ الأمسَ اليومَ، وتجعلُ البعيدَ قريباً، وتأبى إلا أن تبقى فينا حياً لا يموت.
وعزاؤنا -وكلُّ العزاءِ فيك- أنكَ لستَ ذكرى تُحيى.
أنتَ نصرُ الله، سيدُ الحضورِ الذي لا يغيب، وسيدُ الحبِّ الذي لا ينضب، وسيدُ الحربِ الذي لا يُغلب، وسيدُ الجهادِ والمقاومةِ والحريةِ والشهادةِ والشهداءِ والشجاعةِ والموقفِ والخطابِ الفصل.
أنتَ الظاهرةُ التي لا يطفئها موت، ولا يحتويها جيلٌ واحد، ولا يحاصرها وطنٌ واحد، ولا يؤرخُ لها زمنٌ واحد، فيأتي من بعدكَ من يتعاملُ معكَ كمحطةِ استراحةٍ مرةً في العام، يتزودُ منكَ كلٌّ على قدرِ إنائهِ.
حاشاكَ -وعليكَ سلامُ اللهِ ما تعاقبَ الليلُ والنهارُ مصحوباً بطيبِ الصلواتِ الزاكيات- أن تكونَ كذلك.
أنتَ لستَ إطاراً لذكرى، ولستَ صفحةً في كتابِ تاريخٍ مضى. لماذا؟ لأنكَ أنتَ الكتابُ كله.
لأنكَ لم تكنْ بطلاً لخطِّ المقاومة، بل كنتَ أنتَ الخطُّ ذاته، أنتَ المتنُ والحاشيةُ والمداد.
لأنكَ لم تكنْ منتسباً لمدرسةِ أهلِ البيت، بل كنتَ أنتَ المدرسةَ تمشي على قدمين، كنتَ امتدادهم الحيَّ ووريثهم الشرعي.
وهم -صلواتُ اللهِ عليهم- ما عاشوا لأنفسهم، بل عاشوا للإنسانيةِ كلها، وضحوا للناسِ كل الناس، وعلّمونا أنَّ الدينَ ليسَ طقوساً جوفاء، بل أثرٌ يُرى، وأنَّ الارتباطَ باللهِ لا يُثبتهُ كثرةُ السجودِ، بل يُثبتهُ الانعكاسُ الحركيُّ في كلِّ قولٍ وخطوةٍ وموقفٍ وفعلٍ وسلوكٍ ودافعٍ ونبضةِ قلب.
علّمونا أنَّ الطريقَ إلى السماءِ يبدأُ من الأرض، وأنَّ من أرادَ اللهَ فليقصدْ عباده، فذروةُ القربِ منهُ هي في نصرةِ مظلومٍ، وإطعامِ محرومٍ، وكسرِ ظهرِ ظالمٍ وفاسدٍ وباغ، والأخذِ بيدِ المستضعفِ من وحلِ الذلِّ إلى ذُرى العزةِ والعلمِ والبناءِ والتقدمِ والحرية، والجهرِ بالحقِّ ولو كانَ السيفُ على الرقبة، والثورةِ على الباطلِ مهما انتفخَ وكبر.
فمن تراهُ جسّدَ هذا الدينَ غيركَ؟
يا رجلاً عُجنتْ طينتهُ من ترابِ كربلاء، وسكنَ الحسينُ فيهِ شخصاً وإماماً وثورةً وروحاً، فصارَ هو الزمنَ كله، وصارَ هو الشمسَ والقمر، لا ينتهي بانتهاءِ جيل، لأنهُ علّقَ حياتهُ كلها في فلكِ عاشوراء، وبنى خيمتهُ في قلبِ كربلاء، حتى صارتْ كربلاءُ هي التي تسكنهُ لا هو الذي يسكنها.
فصارتْ كلُّ الأرضِ في عينهِ -على سعتها وتنوعِ أعراقها وألسنتها ومللها- ميداناً واحداً لمعركةٍ واحدةٍ أزليةٍ بينَ جيشينِ لا ثالثَ لهما: جيشِ الحسينِ وجيشِ يزيد.
لقد توارى جسدكَ الشريفُ ليبقى نوركَ روحاً تسري في ملايينِ الأجسادِ الميتةِ فتحييها، وأغمضتَ عينيكَ الكريمتينِ لتمنحَ البصيرةَ النافذةَ لملايينِ القلوبِ الحائرة.
فمن لنا كنصرِ اللهِ ناصراً؟ ومن لنا كحسنٍ عزاً وفخراً؟
يا من حملتَ همَّ أمةِ المليارينِ على كاهليكَ وحدك، يا نبعاً تفجرتْ منهُ كلُّ ينابيعِ المقاومة، وتشعبتْ عنهُ كلُّ سواقيها التي سقتْ حقولَ الرفضِ للصهيونيةِ والاستكبارِ في مشارقِ الأرضِ ومغاربها.
أنتَ المددُ الذي لا ينفد، والسيفُ الذي لا يُكسرُ ولا يصدأُ ولا يُغمدُ حتى تُطهّرَ فلسطينُ من بحرها إلى نهرها.
أولستَ الكربلائيَّ حتى النخاع، نهجاً وعقيدةً ووجهةً ومصيراً؟
أولستَ حاميَ حِمى الحقِّ والعدلِ والإنسانيةِ من صنعاءَ إلى كركاس، ومن ضاحيةِ العزِّ إلى غزةَ الإباءِ إلى دمشقَ السليبةِ إلى البسنا؟
أولستَ أنتَ نشيدَ القدسِ، وحاملَ لوائها، ومذلّلَ طريقها بالدمِ والأشلاء؟
إذنْ فصوتكَ الذي ما زالَ يدوي في آذاننا هو أذانُ الفاتحينَ القادمينَ إليها، هو صلاةُ المبعوثينَ من اللهِ لتطهيرها من رجسِ الصهاينةِ الأنجاس.

أترك تعليقاً

التعليقات