الحاج قاسم: أستاذُ «اللاهوت التحرري»
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
من مدرسة «الدفاع المقدس» إلى ما لا نهاية؛ بقي وسيبقى سليماني: رائد البناء الفكري والروحي والقتالي لإنسان الجهاد والمقاومة. وإن كانت تلك الحرب مطلع الثمانينيات مصهرًا تربويًّا لقادة سيدرك العالم أنّهم لم يتغيروا في حدسهم الثوري؛ فقد كان سليماني حالة فارقة خارج كل حسابات السياسة، لأنّه كان موصولًا بولاء شكّل الضامن لمسار واعي بمصير الشهادة.
نعم؛ فحرب الثمانينيات لم تكن حرباً فقط، بل كانت مصهراً تربوياً، ومختبراً روحياً، ومحراباً جماعياً.
دخلها آلاف الشباب، خرج منها قادة، وزراء، رجال أعمال، تغيرت حدوسهم، تبدلت حساباتهم، دخلت عليهم الجغرافيا السياسية فغيرتهم.
إلا سليماني. بقي هو هو. نعم هو ابن تجربة الدّفاع المقدّس، مسار منطقي، تغيّرت حوله الجغرافيا السياسية والاصطفافات، لكن بقي سليماني هو سليماني من المبتدأ حتى الخبر. وسيكون من الأهمية بمكان التركيز على مسألة الاستقامة على طريق نضال لا مرية فيه ولا التباس. لم يغير الشهيد سليماني رؤيته، بل لا زال منطقيًّا على طول الطريق. لقد صنعت الجغرافيا الكثير من النّاس، لكن سليماني ساهم في تغيير الجغرافيا نفسها وصنع الحدث.
هذه هي الاستقامة بمعناها القرآني: @831;إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا@830;. استقامة أربعين عاماً بلا تلوّن، بلا انحناء، بلا مساومة على المبدأ.
لماذا؟ لأن الضامن لم يكن حساباً سياسياً، بل كان ولاءً روحياً. الولاء هو الضامن الوحيد لمسار واعٍ بمصير الشهادة. من كان موصولاً بحسابات السياسة، تغير بتغيرها. ومن كان موصولاً بولاء للسماء، بقي ثابتاً والسياسة تتغير حوله.
شكّلت تجربة سليماني العاشق للشهادة حالة متعالية على تفاصيل المشهد السياسي، فلقد أضفى على المقاومة مسحة من الروحانية السياسية، هذه المرة لن تلتقي بالمفهوم الذي أرساه ميشيل فوكو كنموذج تفسيري لتدفّق رجال الدين في ساحة الثورة إبان تغطية هذا الأخير لأحداثها، بل سنقف عند مفهوم آخر للاهوت التحرير في إخراج مقاومة روحانية تلتقي مع السياسة في مقطع العدالة الإنسانية الخالدة، وحيث تنتهي فيها الخصومة التاريخية بين اللاهوت والسياسة، وتتعاقد الأرض مع السماء حول برنامج تحرّري، فيكون الشهيد منحة السماء للأرض، حيث ما إن يتحقق هذا المنجز التعاقدي حتى تستعيد السماء رجالها عبر ممرّ الشهادة.
هنا قلب النظرية.

فوكو والروحانية السياسية كتفسير
حين غطى ميشيل فوكو الثورة الإسلامية في إيران 1978-1979، صك مفهوماً شهيراً: الروحانية السياسية La spiritualité politique. رأى أن ما يجري ليس صراع مصالح طبقية ولا انقلاباً عسكرياً، بل هو تدفق لرجال الدين والروحانية إلى ساحة السياسة، ليمنحوا السياسة معنى يتجاوز السياسة.
فوكو كان صادقاً في الوصف، لكنه بقي في مستوى التفسير الخارجي: فكيف للفلسفة أن تفسر ظاهرة سليمانية لم تعرفها في ما قبل؟
لقد عمد سليماني إلى تجاوز فوكو إلى لاهوت التحرير. لم يضف مسحة روحانية على السياسة فحسب، بل صنع مقاومة روحانية كاملة.
والفرق دقيق وعميق بين الاثنين: فالروحانية السياسية عند فوكو: الدين يدخل السياسة ليمنحها شرعية. المقاومة الروحانية عند سليماني: الدين والسياسة يتعاقدان حول برنامج تحرري واحد، هو العدالة الإنسانية الخالدة. عند سليماني، تنتهي الخصومة التاريخية بين اللاهوت والسياسة. الخصومة التي تقول: اللاهوت للمسجد والكنيسة، والسياسة للبرلمان والسوق. سليماني يقول: لا، اللاهوت هو السياسة حين تكون السياسة عدالة، والسياسة هي اللاهوت حين يكون اللاهوت تحريراً.
هذا هو «لاهوت التحرير» بنسخته السليمانية الثورية المقاومة، ليس لاهوتا غيبيا مجردا يخدر الناس؛ ولا خطابا وعظيا يبكي على الفقراء، بل لاهوت تحرير يقاتل مع الفقراء، ويسعى لتغيير الواقع من أجل ضمان حقهم في الحرية والسيادة والاستقلال والعيش الكريم.

أترك تعليقاً

التعليقات