حين يصير القيدُ وطناً، وتُصبح الحريةُ تُهمة ..عبودية تُستأنَس
- سامي عطا الثلاثاء , 27 أكـتـوبـر , 2026 الساعة 7:09:54 PM
- 0 تعليقات

سامي عطا / لا ميديا -
الحرية ليست باباً يُفتح مرة واحدة، ولا تاجاً يُهدى إلى أحد؛ إنها علاقة مركبة بين الإرادة والوعي والاعتراف. ولهذا فإن أخطر أشكال العبودية ليست تلك التي تقيّد الجسد بقوة خارجية، بل تلك التي تسكن النفس فتُقنعها بأن القيد هو القدر، وأن الحرية ترفٌ لا يليق بها. ومن هنا تظهر ثنائية الحرية والعبودية لا كنقيضين بسيطين، بل كحالتين تتشابكان: قد يكون الإنسان حرًا في نظر القانون وعبداً في أعماقه، وقد ترفض جماعةٌ ما أن تُستعبد فتُثبت حريتها، لكنها تبقى مطالبة بأن تفسر معنى هذه الحرية وحدودها.
إن فكرة «العبودية المختارة» ليست بدعة حديثة. فقد وقف إتيان دو لا بويزي في مقاله الشهير «مقال في العبودية المختارة» على سؤال مقلق: كيف يمكن لشعب كامل أن يطيع طاغية واحداً، لا لأنه أقوى منه، بل لأنه يمنحه الطاعة؟ ويقول لا بويزي، في معنى قريب من نصه، إن الطاغية لا يجد أيدي يضرب بها إلا من بين أتباعه، ولا عيوناً يترصد بها إلا من عيونهم. أي أن السلطة لا تقوم على القهر وحده، بل على قابلية النفس لأن تُستعبد. وهذه ليست تبرئة للطاغية، بل تشخيص لمرض الوعي: حين يستمرئ العبد عبوديته، يصبح التحرر أصعب من الاستعباد نفسه، لأن القيد لم يعد خارجياً فقط، بل صار جزءاً من صورة الذات.
لكن القول بأن العبودية قد تُستأنَس لا يعني أن الحرية مجرد حالة نفسية. فالحرية تحتاج إلى إرادة، والإرادة تحتاج إلى وعي، والوعي يحتاج إلى شروط مادية واجتماعية. وقد كان إيمانويل كانط واضحاً في «تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق» حين ربط الحرية باستقلال الإرادة عن كل ما ليس قانوناً أخلاقياً يُمليه العقل. فليس الحر هو من يفعل كل ما تشتهيه نفسه، بل من يستطيع أن يُلزم نفسه بقانون يعقله. ومن لا إرادة له لا يمكن أن يكون حراً؛ لأنه سيبقى رهينة للخوف أو العادة أو الرغبة الآنية. وهنا تصبح الحرية فعلاً إيجابياً، لا مجرد غياب قيد خارجي.
ويتقاطع مع هذا المعنى جان بول سارتر في «الوجود والعدم» حين يقول إن الإنسان «محكوم عليه أن يكون حُراً». الحرية عند سارتر ليست صفة يملكها الإنسان أو يفقدها، بل هي نسيج وجوده؛ ولهذا فإن الهروب من الحرية عبر القول: «لا خيار لي»، هو ما يسميه سارتر «سوء النية». لكن هذا لا يعني أن كل عبد مسؤول عن عبوديته؛ فسارتر نفسه كان يدرك أن الحرية توجد داخل وضعيات محددة، لا في فراغ. وهنا يكمن الفارق النقدي: الإرادة شرط للحرية، لكنها ليست الشرط الوحيد. فمن يلوم العبد على عبوديته وكأنها اختيار محض، يقع في قسوة نظرية تشبه قسوة الجلاد.
وإذا انتقلنا من الإرادة الفردية إلى العلاقة بين السيد والعبد، وجدنا جدل هيجل في «ظاهريات الروح» يضيء بعداً آخر. فالسيد يخاطر بحياته طلباً للاعتراف، والعبد يستسلم خوفاً من الموت، لكن المفارقة أن السيد يصبح معتمداً على العبد، بينما العبد يكتسب عبر العمل والصبر على الخوف وعياً بطريق الحرية. ليس لأن العبودية خير، بل لأن وعي الحرية قد يتشكل من داخل الجرح. ومن هنا فإن رفض الاستعباد، حتى لو لم ينجح في تحرير الآخرين، هو بداية حرية؛ لكنه ليس نهايتها. فالحرية لا تكتمل إلا بالاعتراف المتبادل: لا حرية لسيد يظن أنه حر لأن غيره عبد.
وهنا يبرز النقد الأهم لأي خطاب يمجّد الحرية مجرداً من المسؤولية. فقد حذر جون ستيوارت ميل في «حول الحرية» (On Liberty) من أن مبدأ الحرية لا يقتضي أن يكون المرء حُراً في أن يتخلى عن حريته؛ فمن يبيع نفسه عبداً يتنازل عن أي استخدام مستقبلي للحرية. وهذا يعني أن الحرية التي تُستخدم لإلغاء الحرية ليست حرية، بل نقيضها. كما أن الحرية، عند ميل، لا تنفصل عن حدودها: حرية المرء تنتهي حيث تبدأ حرية الآخر. ومن ثم فإن أي جماعة تعلن أنها «حرة» لأنها رفضت الاستعباد، عليها أن تجيب على سؤال أعمق: حرية لمن؟ وبأي ثمن؟ وهل تُقاس الحرية بعدد الشعارات أم بمدى الاعتراف بحرية الآخرين؟
وقد أضاف إريك فروم في «الخوف من الحرية» (Escape from Freedom) بُعداً نفسياً حاسماً: كثيرون يخافون الحرية لأنها تضعهم أمام مسؤولية الاختيار، فيهربون إلى الطاعة والانصهار في الجماعة أو الزعيم. وهذه ليست عبودية مفروضة فقط، بل عبودية يشارك فيها الخائف من الحرية. لكن فروم لا يجعل اللوم على الفرد وحده؛ إنه يربط بين الخوف من الحرية وبين البنى الاجتماعية التي تُنتج العجز. وبالمثل، كشف فرانتز فانون في «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» كيف يستدخل المستعمَر (بفتح الميم) نظرة المستعمِر (بكسر الميم) إليه، فيرى نفسه بعيون جلاده. وهذا يفسر لماذا قد يستمرأ العبد عبوديته: لأنه لم يعد يرى نفسه جديراً بالحرية.
أن الحرية والعبودية ليستا نقيضين خارجيين فقط، بل حالتان تتداخلان في النفس والبنية. نعم، لا حرية بلا إرادة، ومن لا إرادة له لا حرية له. لكن لا حرية أيضًا بلا وعي، ولا وعي بلا شروط مادية، ولا حرية مكتملة بلا اعتراف متبادل. ومن يرفض أن يكون عبداً هو بداية الحرية؛ لكن من يظن أنه حر لأن غيره عبد، لم يفهم بعد أن الحرية لا تسكن إلاَّ حيث يسكن الاعتراف. وهكذا تبقى الحرية جرحاً يُفتح كل يوم، لا تاجاً يُوضع على الرأس مرة واحدة.










المصدر سامي عطا
زيارة جميع مقالات: سامي عطا