سامي عطا

سامي عطا / لا ميديا -
ليس أغرب من أن تصبح كلمة «الشرعية» اسماً لشيء يشبه نقيضها. فالشرعية، في أبسط معانيها السياسية، علاقة قبول ورضا وقانون؛ لكنها تتحول إلى لقبٍ لمنظومةٍ هشّة، تتكوّن من سلطة ومعارضة ومنظمات مجتمع مدني (انتهازية منافقة)، وتعيش على الاستثناء والفساد والجوع والاغتيال، وتعتبر السفارات «قدس الأقداس». هنا لا تكون الشرعية أساساً للحكم، بل قناعاً له؛ ولا تكون تعبيراً عن إرادة الشعب، بل شهادةً تُستعار من الخارج، وريالاً سعودياً يحاول أن يشتري للحياة شكلاً، فلا يشتري لها روحاً.
والمفارقة أن البعض لا يتحدث عن «نظام» بالمعنى المؤسسي الضيق، بل عن «منظومة»: سلطة ومعارضة ومجتمع مدني، قيادات صف أول وثانٍ وثالث، وأبناء وجيل يخلف جيلاً. وكأن التاريخ هنا لا يعيد نفسه كما قال ماركس في «الثامن عشر من برومير»: «مرة كمأساة ومرة كمهزلة»، بل يعيد نفسه كجهاز إداري يتنقل من أب إلى ابن، ومن صف إلى صف، ومن سفارة إلى سفارة. وحين يصبح الماضي قادراً على الحكم بهذه الطريقة، فإن السؤال ليس: لماذا لا ينتصر؟ بل: كيف يستمر في الحكم وهو مهزوم؟

من «الشرعية» إلى «الشرعنة».. سلطة بلا رضا
يعرّف ماكس فيبر الدولة بأنها المجتمع الذي يحتكر «الاستخدام الشرعي للعنف المادي» في إقليم معين. ويميز بين الشرعية التقليدية والكاريزمية والقانونية - العقلانية. لكن واقع حال «شرعية الفنادق» ليس احتكاراً للعنف الشرعي، بل شيوعاً للعنف غير الشرعي: الإرهاب والاغتيال (أسلوب حكم)، والفساد والنهب (سلوك يومي). فإذا كان العنف هو القاعدة، والسفارة وسفير المملكة وأمريكا هم المرجع، والدستور يُقدَّم عليه، فلم يبقَ من «الشرعية» إلاَّ اسمها.
هنا يصبح مفهوم «الشرعية» أقرب إلى ما سماه الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو «العنف الرمزي»: قدرة السلطة على جعل المحكومين يقرّون بشرعيتها حتى حين تُنتهك قوانينها. لكن الواقع يذهب أبعد؛ فهو يقول إن المنظومة لم تكتفِ بإنتاج القبول، بل أنتجت معارضةً تُشبهها، ومجتمعاً مدنياً «منافقاً» يتقاسم معها فتات «الشرعية». وهكذا تتحول «الشرعية» من علاقة بين حاكم ومحكوم إلى مسرحيةٍ تُقام على خشبة السفارات.
وإذا كانت حنا أرندت قد رأت في «العنف» نقيض «السلطة»، وأن العنف يمكنه تدمير السلطة، لكنه لا يستطيع إنتاجها، فإن نظاماً يستهلك السلطة بالعنف، ويستدعي «الشرعية» من الخارج لأنها لا تنبت من الداخل. لذلك لا غرابة في أن تعجز هذه القوى عن الاتفاق حتى على السجل الانتخابي؛ فمن لا يملك شرعيةً داخلية لا يستطيع أن ينتج قانوناً، ومن لا يستطيع إنتاج قانون يلجأ إلى السفارة.

المنظومة لا النظام.. عندما تصير المعارضة وظيفةً في الجهاز
المسألة لا تتعلق بـ«نظام» يسقط أو يبقى، بل عن «منظومة» تشمل السلطة والمعارضة والمنظمات المدنية. وهذا يذكّرنا بمفهوم أنطونيو غرامشي عن الدولة بوصفها «مجتمعاً سياسياً + مجتمعاً مدنياً»، وعن «الهيمنة» التي تُمارس لا بالعصا وحدها، بل بالثقافة والتنظيم والتربية. لكن غرامشي كان يرى في المجتمع المدني ساحاتٍ للصراع، بينما يصف النص مجتمعاً مدنياً «انتهازياً منافقاً» يعمل كامتدادٍ للسلطة. وهنا تصبح المعارضة ليست بديلاً، بل وظيفةً في الجهاز؛ وظيفتها أن تُضفي على المنظومة مظهر التعددية، بينما تبقى القرارات في مكان آخر.
هذا يفسّر لماذا تتحدث المنظومة عن «الشرعية» وهي التي قامت ضدها ثورتا 2011 و2014. فالثورة، كما فهمتها أرندت، ليست مجرد تغيير حكام، بل «بداية جديدة»، ظهور مجالٍ عامٍّ للناس. لكن المنظومة لا تفهم الثورة إلا كعطلٍ إداري، أو كخللٍ أمني، أو كفرصةٍ لإعادة ترتيب الصفوف. لذلك لم تُهزم في الحروب الست على صعدة فحسب، بل هُزمت في فهم معنى السياسة نفسه. ولم تستطع قهر الحراك الجنوبي، لا لأنها ضعيفة عسكرياً فقط، بل لأنها لا تملك مشروعاً للوحدة إلا القوة. وحين عجزت عن الاتفاق على السجل الانتخابي، كشفت أنها لا تملك حتى الحد الأدنى من الشرعية القانونية.

 الاستثناء الدائم.. الإرهاب والاغتيال كأسلوب حكم
يقول كارل شميت في «اللاهوت السياسي»: «السيد هو من يقرر حالة الاستثناء». لكن حالة الاستثناء لم تعد قراراً مؤقتاً، بل أصبحت أسلوب الحكم اليومي. والإرهاب والاغتيال ليسا شذوذاً في المنظومة، بل أدواتها. وهذا ما يسميه جورجيو أغامبين «حالة الاستثناء» بوصفها نموذجاً حاكماً؛ القانون يُعلَّق باسم حماية القانون، والدستور يُقدَّم عليه «قدس أقداس» السفارات.
في هذا المناخ، يصبح المواطن كالبطل الكافكاوي في «أمام القانون»: يقف أمام بوابةٍ لا يدخلها، وينتظر قانوناً لا يأتي. وتصبح الذاكرة نفسها ساحة صراع، كما في رواية «1984» لأورويل: «من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل». فمنظومةٌ لا تنتمي إلى المستقبل تحتاج إلى السيطرة على الماضي كي تُطيل عمرها. لذلك تعيد إنتاج الشخصيات ذاتها، وأبناء الجيل نفسه، وقيادات الصف الثاني والثالث؛ ليس لأنها تؤمن بالاستمرارية، بل لأنها لا تملك بديلاً.
والجوع هنا ليس قدراً طبيعياً، بل نتيجة سياسية. فبلدٌ يصدّر النفط والغاز ويتلقى المنح والمساعدات، ثم يبقى شعبه جائعاً، لا يعاني نقصاً في الموارد، بل نقصاً في العدالة. وقد وصف عبد الرحمن الكواكبي في «طبائع الاستبداد» كيف يُفسد الاستبداد الرعية والثروة والعمران. وفي أدبيات «الدولة الريعية» عند حازم الببلاوي وجاكومو لوتشياني، يتحول الريع إلى أداة لإنتاج الولاء بدل إنتاج الاقتصاد. وهكذا يصبح الفساد والنهب سلوكاً يومياً، لا استثناءً.

الريال والسفارة.. «شرعيةٌ» مستعارة
إن السفارات الأمريكية والبريطانية والسعودية كانت «مرجعية» عند الخلاف. وإن السعودية حاولت تجميع القوى، ووحّدها الريال السعودي؛ لكنه «عجز عن بثّ الحياة فيها أو منحها مستقبلاً». هنا تظهر «الشرعية» كبضاعةٍ مستوردة؛ لا تُنتجها صناديق الاقتراع، بل تُصادق عليها السفارات؛ ولا يصنعها القانون، بل يصنعها الريال.
وقد وصف فرانتز فانون في «معذبو الأرض» البرجوازية الوطنية الوسيطة التي لا تُبدع مشروعاً وطنياً، بل تكتفي بدور الوسيط بين الداخل والخارج. وما يصفه النص أقرب إلى «برجوازية سياسية» لا تُنتج إلا استمرارها. والمال السعودي، كما يقول النص، وحّدها لكنه لم يمنحها حياة. وهذا يذكّرنا بدرسٍ فيبرى: الشرعية ليست مجرد منفعة، بل اعتقاد؛ والمال يشتري الطاعة، لكنه لا يشتري الإيمان. لذلك يمكن للريال أن يجمع القوى، لكنه لا يستطيع أن يجمع الشعب.

 لماذا لا تنتصر؟ لأن النصر يخالف قوانينها
ن انتصار هذه القوى «يعني أنها تجاوزت قوانين السياسة والاقتصاد والحرب والاجتماع والتاريخ، وكلها تحكم بسقوطها». وهذه ليست حتمية ميتافيزيقية، بل قراءةٌ في شروط البقاء. فابن خلدون في «المقدمة» يرى أن الدولة كائنٌ له أعمار، وأن العصبية إذا تحللت ودخل الترف والفساد، بدأ الانحطاط. والمنظومة التي يصفها النص فقدت عصبيتها الداخلية حين صارت السفارات مرجعها، وفقدت اقتصادها حين صار الريع سلوكاً، وفقدت جيشها حين هُزمت في صعدة، وفقدت سياستها حين عجزت عن السجل الانتخابي.
ويمكن استعارة ما قاله غرامشي عن «الانحلال»: «القديم يموت، والجديد لا يستطيع أن يولد؛ وفي هذه الفترة تظهر أعراضٌ مريضة». فالمنظومة لا تنتصر لأنها لا تملك مشروعاً للمستقبل، بل تملك مشروعاً لاستمرار الماضي. وهي قد تبقى، لكن بقاءها ليس انتصاراً؛ إنه تأجيل. والعنف قد يُطيل عمر النظام، لكنه لا يمنحه مشروعية. وهذا ما فهمته الفيلسوفة الأمريكية حنا أرندت: العنف يمكنه أن يدمر، لكنه لا يستطيع أن يؤسس.

«الشرعية» ليست شهادةً  توقّعها سفارة
ما يطلق عليها «الشرعية» ليست شرعية، بل منظومةُ أشباحٍ تحكم باسم القانون وهي فوقه، وتستعير من السفارات مستقبلاً لا تملكه، وتشتري بالريال ولاءً لا يصنع حياة. وقد صدق ماركس حين قال: «يصنع الناس تاريخهم بأنفسهم، لكنهم لا يصنعونه كيفما شاؤوا؛ بل في ظروف يجدونها مباشرة». والظروف التي وجدها اليمنيون بعد 2014 هي ظروف منظومةٍ أرادت أن تعود بالنهج القديم نفسه الذي ثار الشعب عليه.
الشرعية الحقيقية ليست شهادةً تُوقّعها سفارة، ولا ريالاً يُوزَّع على القيادات، ولا اغتيالاً يُخيف المعارضين. إنها علاقةٌ يُوقّعها الشعب على مر الزمن: قانونٌ يُحترم، وعدلٌ يُشعر به، ومشروعٌ يمنح الناس مستقبلاً. ومن لا ينتمي إلى المستقبل لا يمكن أن ينتصر فيه، وإن استطاع أن يسكنه طويلاً. وشرعيةُ الأشباح قد تُطيل الحكم، لكنها لا تستطيع أن تمنح الحياة.

أترك تعليقاً

التعليقات