ما أرخصك!
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
جاهلٌ بالكرامةِ، موغلٌ في الوحشيةِ، إنه المسخُ. وهذا المسخُ لا يأتي من الغابِ، ولا يرضعُ حليبَ الضواري، فالغابُ أطهرُ منهُ وأشرفُ، السبعُ يفترسُ بدافعِ الجوعِ، فإذا شبعَ كفَّ ونامَ، بل يأتي هذا المسخُ من معملٍ، معملِ إنتاجِ الدمى البشريةِ، مادتهُ الجهلُ، وروحهُ التكفيرُ، وحركتهُ ومنطقهُ الجريمةُ.
وليسَ التخلصُ منهُ بالأمرِ الهينِ، لأنهُ لا يأتي من بطنٍ بل من فكرةٍ، فكرةٍ مسمومةٍ تقولُ لصاحبها: أنتَ لستَ إنساناً، أنتَ سيفُ اللهِ المسلولُ فنكِّلْ بالحياةِ والأحياءِ، وتقولُ لهُ عن أخيهِ في الطينِ والنفخةِ: وهذا ليسَ إنساناً، هذا حطبُ اللهِ ووقودهُ.
فما أقبحها من نفسٍ وأحطها، تلكَ التي لا ترى في العالمِ إلا حطباً ينتظرُ القطعَ، ولا ترى في القتلِ والسحلِ والتمثيلِ بالضحيةِ إلا قُربةً إلى اللهِ وزُلفى لديهِ. وهنا يبلغُ الانقلابُ ذروتهُ وتبلغُ المسوخيةُ منتهاها، أن يصيرَ ذبحُ عبادِ اللهِ شعيرةً من شعائرِ اللهِ يجبُ تعظيمها، والسحلُ تسبيحاً وتقديساً للواحدِ الأحدِ، وكشفُ سوأةِ المسجى فتحاً مبيناً، فأيُّ ربٍّ هذا الذي يُعظَّمُ بهتكِ الأستارِ، إنهُ ربٌّ صغيرٌ مصنوعٌ في ذلكَ المعملِ، جائعٌ أبداً لا يشبعُ إلا من لحومِ أبنائهِ.
وهنا وقفَ الزمنُ، فكانَ المشهدُ الأخيرُ لهذا المسخِ، المشهدُ الفاضحُ لكلِّ ما قبلهُ، جسدٌ مسجىً بالكرامةِ والشرفِ، انتهتْ مهمتهُ بانتهاءِ آخرِ نفسٍ تنفسهُ بعدَ أن أدّى رسالتهُ كاملةً، خلعَ حُلّةَ الترابِ وصعدتْ روحهُ حيّةً تُرزقُ، وبقيَ ثوبهُ على الأرضِ كخيمةٍ خاليةٍ بعدَ رحيلِ ساكنها، مستوراً بخيطٍ أحمرَ، والخيطُ الأحمرُ هو دمهُ، والدمُ في شريعةِ الكرامةِ ليسَ نجاسةً بل طهارةٌ، ليسَ عورةً بل سترٌ، حبرٌ إلهيٌّ كتبَ اللهُ بهِ على ذلكَ الثوبِ: ولقد كرمنا بني آدم. فجاءَ حارسُ الوهمِ يحملُ في يدٍ بندقيةً وفي قلبٍ حقداً، انحنى فوقَ الخيمةِ الخاليةِ، كشفَ قماشها، ظنَّ أنهُ بهتكِ الخيمةِ يهزمُ من رحلَ عنها، أيُّ وهمٍ هذا، وهل يُهزمُ الراحلُ بهتكِ خيمتهِ، وهل يُعرّى النورُ بكسرِ المصباحِ، وهل يُهزمُ الحيُّ عندَ ربهِ بكشفِ ثوبٍ خلّفهُ وراءهُ؟
ما كشفتَ إلا فراغكَ، وما فضحتَ إلا خواءكَ، وما هتكتَ إلا حجابَ آدميتكَ عن أعينِ العالمين، هو مستورٌ لأنَّ الذي سترهُ هو اللهُ يومَ كرّمهُ، ومن كرّمهُ اللهُ حياً وميتاً لا يملكُ أحدٌ أن يُهينهُ، وما سترهُ اللهُ لا تكشفهُ يدُ لصٍّ صغيرٍ، أما أنتَ فقد تعرّيتَ ثلاثَ مراتٍ لا يسترها بعدها قماشٌ، تعرّيتَ من آدميتكَ فإذا أنتَ لستَ حارساً بل نبّاشُ قبورٍ، وتعرّيتَ من رجولتكَ فإذا أنتَ لستَ مقاتلاً بل لصُّ أستارٍ لا يقوى إلا على من لا يردُّ ولا يجرؤُ إلا على جثة هامدة، وتعرّيتَ من دينكَ فإذا أنتَ لستَ متديناً بل تاجرٌ مفلسٌ يظنُّ أنَّ اللهَ يشتري منهُ الفضائحَ بالجنةِ ويقايضهُ على كشفِ العوراتِ بالحورِ، ما أرخصكَ.

أترك تعليقاً

التعليقات