مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كم نحن حمقى ومستلبون! فكل ما نحتفي به في عصر الحوسبة والذكاء الاصطناعي؛ كشاهد على حريتنا، واستقلاليتنا المطلقة: كان مجرد صك لعبودية جديدة. نعم؛ فما نسميه حرية رقمية ليس حرية، ولا هم يحزنون! بل نحن نتعامل مع واجهة. واجهة مستخدم تخفي بنية إقطاعية جديدة. نحن لا نستخدم التكنولوجيا، نحن نُستخدَم داخلها كطبقة خدم رقميين ينتجون قيمة غير مرئية، ويخضعون لحق إقطاعي في القبول والنفي، ويُحكمون بخطاب حرية هو نفسه أداة عبوديتهم.

حجاب الواجهة: القفص الذي يسمى حرية
يعيش المواطن المعاصر نشوة تحرر لم يعرفها تاريخ الإنسان. هو حر في النشر، حر في إنشاء المحتوى، حر في الاختيار بين ألف مسلسل وألف منتج وألف رأي. هذه هي الطبقة الظاهرة، ما يسميه المصممون User Interface. لكنه وقع في شرك السخرة والعبودية: فهو مجرد قطعة أثاث؛ أو آلة يملكها غيره. فكل واجهة تفترض عمارة. وكل عمارة تفترض مالكاً.
وتحت الواجهة يوجد العمق المعماري الذي لا يُرى: من يملك الخادم؟ من يملك الكابل البحري؟ من يملك مركز البيانات؟ من يملك نموذج الذكاء الاصطناعي الذي يرتب العالم لك؟ من يملك البروتوكول؟
الجواب فاضح في بساطته: حفنة. ثلاث شركات سحابية -أمازون ومايكروسوفت وغوغل- تملك أكثر من 67% من الحوسبة الكوكبية. شركتان -غوغل وآبل- تملكان نظامي تشغيل 99% من هواتف البشر. شركة واحدة -ميتا- تملك خريطة علاقات ثلاثة مليارات إنسان.
هذه هي خدعة حجاب الواجهة بتعريفها الدقيق: حرية مطلقة في اختيار ما تشاهده داخل القفص، وعجز مطلق عن ملكية القفص أو تغيير قضبانه أو مغادرته. أنت حر كمستهلك داخل سوبرماركت لا يملكه، لست حراً كمواطن يملك السوق ويشرع قوانينه.
وهنا حصل ما يمكن تسميته: بالقطيعة التاريخية مع الرأسمالية الصناعية: في الرأسمالية الصناعية كان العامل مستغلاً لكنه يملك حرفة، يملك يداً، يملك إمكانية إضراب. في الرأسمالية المنصاتية أنت لا تملك حتى وسيلة تعبيرك. حسابك ليس ملكك بل ترخيص قابل للسحب. جمهورك ليس جمهورك بل جمهور مستأجر من المنصة تدفع له ليراك. ذاكرتك الرقمية -صور أطفالك، رسائل أمك، ملفات عملك- ليست في بيتك بل في ضيعة غيرك. أنت فلاح بلا أرض يزرع وقته في أرض السيد، والسيد يأخذ المحصول ويبيعك بذوراً جديدة لتزرع مرة أخرى.
الواجهة لا تخفي الحقيقة بالكذب، بل تخفيها بالإغراق. تجعلك تنظر إلى الشاشة حتى لا تنظر إلى اليد التي تمسك الشاشة.

الحق الإقطاعي في القبول: سيادة شروط الخدمة
كان إنجاز الحداثة السياسية هو نزع حق النفي من السيد الإقطاعي وإعطاؤه للقانون. لا يمكن نفيك من المدينة إلا بحكم قضائي، بإجراءات، بحق دفاع، باستئناف، بعلنية. إلى أن جاء عصر الإقطاع السحابي الذي يمحو هذا الإنجاز ويعيدنا إلى ما قبل الحداثة، لكن بأدوات ما بعد الحداثة.
ثلاث إلى خمس شركات عابرة للحدود تملك اليوم ما يمكن تسميته بدقة تاريخية: الحق الإقطاعي في القبول - jus acceptandi. وهو في القانون الإقطاعي القديم حق السيد في أن يقبل بقاء الفلاح في الأرض أو يطرده منها بلا محاكمة. اليوم يعود بنفس البنية المنطقية: حق المنصة في أن تقبل وجودك الرقمي أو تلغيه. فبضغطة زر، بلا محكمة، بلا قاض، بلا حق دفاع حقيقي، يمكن تنفيذ نفي مدني ومالي كامل، ما يسميه القانونيون اليوم Civil Death: يُغلق بريدك الإلكتروني، فتُشل مراسلاتك وعملك وعقودك. يُغلق حسابك السحابي، فتُمحى ذاكرتك وأرشيف عشر وربما عشرين سنة في ثانية. يُغلق حسابك في متجر التطبيقات، فتُشل شركتك الناشئة. يُجمد حسابك في نظام الدفع، فتُشل قدرتك على البيع والشراء. تُحذف هويتك الرقمية، فتصبح غير قابل للتحقق، أي غير موجود تشغيلياً.
هذا ليس حظر حساب. هذا طرد من شروط الحياة المعاصرة. إنه حرمان كنسي جديد. Excommunication رقمي. في العصور الوسطى كان الحرمان الكنسي يعني أن لا أحد يبيعك خبزاً ولا يزورك ولا حتى يكلمك. اليوم حرمان المنصة يعني أن لا بريد يصلك ولا دفع يُقبل ولا ملف يُفتح. والأداة القانونية لهذا الطرد هي تلك الوثيقة التي وافقنا ونوافق عليها جميعاً لكن لم يقرأها إنسان على وجه الأرض: إنها وثيقة شروط الخدمة. عقد الإذعان التاريخي، يكتبه السيد وحده، يعدله متى شاء، من طرف واحد، بلا تفاوض، وتوافق عليه أنت مرغما، لأن لا حياة خارج أرضه. لقد انتقلنا من سيادة الدستور إلى سيادة Terms of Service. من قانون يشرعه برلمان منتخب قابل للمحاسبة، إلى قانون تشرعه إدارة قانونية في كاليفورنيا غير قابلة للانتخاب. هنا تسقط أسطورة المواطنة الرقمية سقوطاً مدوياً. المواطن له حقوق غير قابلة للسحب. الخادم الرقمي له امتيازات قابلة للسحب. أنت لست مواطناً في غوغل، أنت مقيم بإذن عمل مؤقت. والفرق بين المواطن والمقيم هو أن الثاني يمكن ترحيله بجرة قلم، بلا تذكرة عودة.

أترك تعليقاً

التعليقات