الخونجيةُ باختصار!
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لم تكن البنيةُ الفكرية للذات الخونجية سوى انعكاسٍ طبيعيٍ لمشاريع استكبارية توسعية؛ تهدف إلى انتزاع الأرض، ونهب خيراتها، واستعباد الإنسان، ومسخ فطرته، وإعادة تشكيله بالشكل الذي يمكنها من استعماله في إطار معركتها الشاملة.
معركة لا تستثني شعباً ولا قومية، ولا تستهدف ديانة دون ديانة؛ لأنها تعادي الإنسان كله، بغض النظر عن دينه أو عرقه أو لونه؛ ما دام يعيش الإنسانيةَ كهمٍّ يومي يحكم فكره وروحيته، ويبني رؤاه ويحدد منطلقاته، ويعيش الحرية في دنياه. الأمر الذي يجعله لا يجعل من معتقده الديني أو هويته حاجزاً يحول بينه وبين التلاقي والتكامل بينه وبين «نظيره في الخلق» ما دام هدفه الحق.
لقد أفسدت الخونجية كل المعاني السامية، والعقائد الميتافيزيقية: فالله عندها مجرد وسيلة كما هم خلقه؛ نستغفره ونتوب إليه. والجهاد عندها؛ مجرد دعوة لخدمة مشاريع الهيمنة الإمبريالية والصهيونية. فبنادقهم لم تطلق رصاصة إلا لخدمة أعداء الأمة باسم الأمة ودينها.
هذه ليست كلمات للذم بهدف الذم نفسه، ولا كلمات يحكمها الحماس والانفعال الآني؛ وإنما هي استنتاجات من خلال تأملٍ لتاريخ الخونجية الحركي في اليمن. وبالعودة إلى فتوى السفك لدماء جزء من أبناء اليمن سنعرف كيف ينسج الخونجي حبال ارتباطه بالدين، وكيف يجعل من المقدس حبلاً يخنق به المقدس، ومن النور ستاراً يخفي به الظلام.

ما الذي فعلته الفتوى؟
الفتوى حوّلت الحرب من صراع دستوري حول الوحدة إلى جهاد مقدس.
من الناحية العسكرية، سمحت باستقدام آلاف المجرمين التكفيريين من المعاهد وجامعة الإيمان ومن أفغانستان، للقتال تحت راية الجهاد، لا تحت راية الدولة. فصار المقاتل لا يدافع عن وطن، بل يدافع عن عقيدة، ولا يحمي أرضاً، بل يحمي مذهباً.
ومن الناحية النفسية، رفعت عن المقاتل وخز الضمير. فهو لا يقتل يمنياً، بل يقتل كافراً. لا ينهب بيتاً، بل يغنم غنيمة. لا يحرق مدينة، بل يطهرها. وهنا تكمن وظيفة الأيديولوجيا كستار: ليست أن تهديه، بل أن تخدره، حتى يتحول الإجرام من عبء يثقل الروح إلى واجب مقدس يُمارس بحماسة العابد في محرابه، وبطمأنينة من ظن أنه يتقرب إلى الله بدم أخيه.
ومن الناحية السياسية، منحت نظام صالح غطاءً دينياً لحرب كان يمكن أن يخسرها سياسياً. فصار صالح مجاهداً، وصار خصمه ملحداً. وصارت الهزيمة السياسية انتصاراً دينياً، وصار الفشل نجاحاً.
وقد نقلت مجلة نيوزويك شعار المرحلة: قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، ونسبته إلى الشيخ عبدالله الأحمر. وكان الشعار يُردد في الجبهات وفي خطب الجمعة، كما تُردد التكبيرات في العيد، وكأن الجنة قد صارت ثكنة عسكرية، والنار قد صارت سجناً للخصوم، وكأن مفاتيح الغيب قد صارت في جيب المفتي.

الاستباحة الشاملة
بعد الفتوى، لم تكن الحرب مجرد انتصار عسكري لصنعاء، بل كانت انتصاراً لمنطق التكفير.
فبعد دخول عدن في 7 يوليو 1994، تعرضت المدينة لأعمال نهب واسعة، واعتبرها البعض غنائم حرب بناء على منطق الفتوى. وتعرض كثير من الكوادر الجنوبية للتصفية والتهميش والإقصاء، باسم أنهم مرتدون.
وكانت النتيجة أن الوحدة التي كان يفترض أن تكون وحدة وطن، صارت عند الجنوبيين وحدة ضم وإلحاق، وعند الشماليين وحدة جهاد وغنيمة. وحدةٌ لم توحد القلوب، بل فرقتها، ولم تجمع الأرض، بل مزقتها، ولم تبن دولة، بل بنت غنيمة.

ماذا بقي من تلك السموم؟
عندما نناقش ما ترتب على ما نفثه الزنداني من سموم، وما حدّه من سكاكين في حرب 94م وما صنعته فتوى الديلمي من جرائم؛ فإننا لا نقف على ميراث شخصي لهما، أو تراث خاص بتنظيمهما، وإنما نقف على تراث دموي تفكيكي انعزالي سيطر على الواقع اليمني وساد على الحياة كلها فترة ليست بالقليلة.
لذا نخشى من إعادة إنتاج هذا التراث لنفسه بخطاب جديد، ليس من خلال الخونج أنفسهم وإنما من جهات وحركات كانت في ما مضى مناهضة للخونج، وتقف على النقيض منهم. فلطالما استطاع فكر القهر والغلبة أن يخلق من المقهورين نسخة طبق الأصل للفكر الذي ثاروا عليه، حتى يصير الضحية جلاداً، والمظلوم ظالماً، والثائر مستبداً، والمناهض للخونج خونجياً بغير عمامة.
كل دعوة توظف المقدس لخدمة مصالحها، وتفرض وجودها وسياستها وفكرها على الناس بحجة أنها تستمد مشروعيتها من الله فهي مصابة بالمس الخونجي أياً كان مذهبها!
إنك حين تجعل من الشريعة سيفاً لبسط نفوذك وفرض سلطانك فقد بلغت مبلغ الخونجية. فالخونجية هي باختصار: أن تصنع عدواً يهدد المقدس، لتبرر قتله، ولتحشد الناس خلفك دون أن يسألوك عن برنامجك، ودون أن يحاسبوك على فشلك وأخطائك.

أترك تعليقاً

التعليقات