مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
المُفتتحُ المعرفي: السؤالُ ميزانُ الوجودِ
تعزٌ أم اليمنُ أم العالمُ؟!
ليس استفهامَ جغرافيا يطلبُ تحديدَ بقعةٍ على خريطةٍ، بل استفهامُ أنطولوجيا يطلبُ تحديدَ ماهيةِ السجنِ، واستفهامُ إبستمولوجيا يطلبُ تحديدَ كيفيةِ إدراكِ حدودِ السجنِ، واستفهامُ أكسيولوجيا يطلبُ تحديدَ قيمةِ من يُعاقَبُ ومن يُحرَّرُ، واستفهامُ فلسفةِ سياسةٍ يطلبُ تحديدَ لماذا تعيدُ السلطةُ إنتاجَ نفسِها، واستفهامُ فلسفةِ تاريخٍ يطلبُ تحديدَ لماذا الدورانيةُ هزليةٌ مأساويةٌ والمحرقةُ فاغرةٌ.
والجوابُ ليس مكاناً، بل علاقةٌ: رحلةُ الحريةِ وحدودُ السجنِ.
الحريةُ ليست حالةً، بل رحلةٌ، والسجنُ ليس جدراناً، بل حدودٌ، والرحلةُ لا تبلغُ غايتَها إلا بإدراكِ الحدودِ.
فمن لم يدركْ حدودَ السجنِ كسرَ قيداً ليقعَ في قيدٍ، وكسرَ زنزانةً ليقعَ في زنزانةٍ، ودخلَ دورانيةً هزليةً مأساويةً كلفتُها الأشواقُ والأحلامُ والأعمارُ، ومحرقةً فاغرةً على المستقبلِ لاحتطابِ المزيدِ من الأجيالِ.
هذا هو القانونُ الأسمى عند الدكاكِ، وهو قانونٌ يسري في تعزَ كما يسري في اليمنِ كما يسري في العالمِ، لأنه قانونُ علاقاتِ الاستغلالِ لا قانونُ جغرافيا.
المقامُ الأولُ: في إبستمولوجيا السجنِ -كيف يُدرَكُ السجنُ وهو غيرُ مرئيٍّ؟

المقولةُ الأولى: الجهلُ بالحدودِ أصلُ تأجيلِ الحريةِ
إن قوافلَ من السجناءِ الذين يتوقون للحريةِ يكسرون قضبانَ الزنازينِ ليقعوا خلفَ قضبانِ زنازينَ أخرى، لأنهم لا يدركون حدودَ السجنِ الذي يتوقون للانعتاقِ منه.
القضبانُ مرئيةٌ، والحدودُ غيرُ مرئيةٍ.
القضبانُ تُكسرُ بفعلٍ ثوريٍّ صادقٍ، والحدودُ لا تُدركُ إلا بمعرفةٍ عميقةٍ ثاقبةٍ.
القوافلُ تتوقُ للحريةِ بصدقِ نيةٍ، وتكسرُ القضبانَ بحرارةِ فعلٍ، ثم تقعُ في زنزانةٍ أخرى، لا لخبثِ نيةٍ ولا لوهنِ فعلٍ، بل لجهلٍ بحدودِ السجنِ.
الحريةُ المؤجلةُ عند الدكاكِ هي حريةُ من يعرفُ القضبانَ ولا يعرفُ حدودَ السجنِ.

المقولةُ الثانيةُ: المراقبُ السطحيُّ يرى التناقضَ والمراقبُ العميقُ يرى الثباتَ
إنهم الرسولُ بالأمسِ والصحابةُ اليومَ، والحجابُ الشرعيُّ والحشمةُ والسفورُ والعريُ، الفصلُ والاختلاطُ، الوحدةُ والوحدةُ أو الموتُ والشرعيةُ والانفصالُ، هم باتيستا وجيفارا، وابنُ تيميةَ وابنُ علوانَ، وابنُ جبلٍ وذو يزنَ والأقيالُ ومن لم يحكمْ بما أنزلَ اللهُ، والعلمانيون والقاعدةُ وداعشُ وأنصارُ الشريعةِ وهيئةُ الأمرِ بالمعروفِ وهيئةُ الترفيهِ والحداثيونَ، إنهم سوقُ الاستقطابِ السياسيِّ والهيمنةِ بكلِّ تلويناتِهِ التي تتباينُ بناظمِ مصلحةِ قوى الهيمنةِ، ولا تتناقضُ إلا في نظرِ مراقبٍ سطحيٍّ تلهيهِ تحولاتُ الموقعِ والدورِ عن ثباتِ الموقفِ والغايةِ، ويتوهُ بين تشعباتِ الروافدِ وتعددِها عن حقيقةِ الوجهةِ والمصبِّ.
المراقبُ السطحيُّ يرى التناقضَ: كيف يكونون الرسولَ والصحابةَ، الحجابَ والسفورَ، باتيستا وجيفارا، ابنَ تيميةَ وابنَ علوانَ، العلمانيينَ والقاعدةَ وداعشَ وهيئةَ الأمرِ بالمعروفِ وهيئةَ الترفيهِ في آنٍ واحدٍ؟ هذا تناقضٌ يدلُّ على انتهازيةٍ.
والمراقبُ العميقُ يرى الثباتَ: الموقعُ يتبدلُ من ثوارِ 1948 إلى أعداءِ جمهوريةِ 1962 إلى متسربلي شعاراتِها اليومَ، والدورُ يتبدلُ من معارضةٍ إلى سلطةٍ إلى مليشيا إلى حزبٍ إلى منظمةٍ إلى هيئةٍ، لكن الموقفَ ثابتٌ: خدمةُ قوى الهيمنةِ، والغايةُ ثابتةٌ: الهيمنةُ، والوجهةُ واحدةٌ: تحالفُ البترودولارِ، والمصبُّ واحدٌ: المشروعُ الأمريكيُّ ووكيلُهُ الإسرائيليُّ والرجعيةُ السعوديةُ.
المراقبُ السطحيُّ تلهيهِ تحولاتُ الموقعِ والدورِ، ويتوهُ بين تشعباتِ الروافدِ وتعددِها.
والمراقبُ العميقُ يرى ثباتَ الموقفِ والغايةِ، وحقيقةَ الوجهةِ والمصبِّ.
الإبستمولوجيا عند الدكاكِ هي الانتقالُ من سطحٍ يرى القضبانَ والتناقضَ إلى عمقٍ يرى حدودَ السجنِ والثباتَ.

المقولةُ الثالثةُ: الاستحواذُ المعرفيُّ الشاملُ هو الذي يمنعُ إدراكَ الحدودِ
هل كان يصدحُ في كلِّ ما سبقَ سوى خطابٍ واحدٍ هو خطابُ إسلامِ البترودولارِ بحناجرِ وأدمغةِ الخونجِ؟! وهل كانت اليدُ الطولى سوى يدِ الخونجِ؟!
ليست تعزُ استثناءً، بل ضحيةٌ أخرى توشكُ أن تنعتقَ من زنزانةِ الخونجِ إلى فضاءٍ لا سلطةَ للخونجِ فيهِ، بعد عقودٍ من استحواذِهم على المصحفِ والكتابِ المدرسيِّ، وعلى شاشةِ التلفزيونِ والإذاعةِ المدرسيةِ، وعلى منصةِ البرلمانِ ومنبرِ المسجدِ، وعلى الجامعةِ الحكوميةِ والخاصةِ، وعلى الجيشِ النظاميِّ ومليشيا الظلِّ، وعلى المدينةِ والقبيلةِ، وعلى الحزبِ المعارضِ والحزبِ الحاكمِ والمنظماتِ الحقوقيةِ والصحفِ والإعلامِ القديمِ والحديثِ.

أترك تعليقاً

التعليقات