ثوراتٌ بلا ثوارٍ.. فلماذا؟
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
يقول البردوني في ما معناه: لقد روج كثيرون لفكرة أن الإنسان أسير بيئته، وأن المكان يصنع الإنسان ولا يصنعه الإنسان، وأن من وُلد في التقليد مات فيه، فجعلوا من البيئة قدراً لا يُرد، ومن المألوف سجناً لا يُكسر.
وما البيئةُ إلا من صنعِ الناس، وما الناسُ إلا أبناءُ أفكارهم، فإذا تغيّرت الأفكار تغيّرت البيئات، وإذا تبدلت النفوس تبدلت الأرض التي تمشي عليها.
ليس خروجُ الإنسانِ عن بيئته كخروجِ جلدهِ عن جسده، فالجلدُ قدرٌ عضويٌ لا يُبدّل، أما البيئةُ فصياغةٌ قابلةٌ للهدمِ وإعادةِ البناء. إن في مقدور المرء ألا يتخلى عن تركيبه، لكن في مقدوره أن يغير صيغة تركيبه، حتى يخلق من نفسه بديلاً عنها، منفصلاً عن أصوله، متجاوزاً لجذوره، كما يتجاوز النهر منبعه.
الثائرُ لا يأتي من فراغ، بل يأتي من قلب التقليد نفسه، كما يأتي النهر من قلب الجبل. يخرج من تقليديته ليثبت جدّته، ثم يخرج من جدّته ليُثبت جدّة سواه. فالنهر لا يبقى هو هو، هو يختلف عن منبعه، ويختلف عن نفسه في كل جريان، لأنه يتماهى في التربة التي يرويها، فيُخضّرها ويُزهرها، وكذلك الثائر.
أولُ مهماتِ الثائرِ أن يتغير هو، حتى يتبدى حقيقةً جديدة، فإذا صار حقيقةً جديدةً انتقلت منه إلى ملايين الحقائق.
ليس هذا سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً. ملايين الأفراد والشعوب تغيرت وغيّرت وراءها تقاليدها، كما تترك الأشجار أوراقها الشتوية لتستقبل ربيعها.
محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم، اختلف عن تقاليد أبيه وجده، ورمى جسده التقليدي على باب الغار، لكي يخرج منه إنسانٌ جديدٌ عدائيٌ لأشرس تقاليد الوثنية الاحتكارية. وما كان خروجه سهلاً، بل سبقته هزةٌ جبريليةٌ حطّمت محمد بن عبدالله لكي يخرج منها محمد رسول الله، فصار حقيقةً مغايرةً غيّرت كل الحقائق الثابتة.
وعليٌ وعقيل، أخوان من بيئةٍ واحدة، وأبٍ واحد، ودمٍ واحد، أحدهما تجاوز بيئته وتجاوز كيانه العائلي واندمج في غمار الجماعة المتغيرة، فقال وهو إمامٌ وتحت يده خزائن العراقين: تلك أموال الأمة لا أملك منها نقيراً، وثانيهما ظل حبيس تقاليده الجسدية والمكانية فلاذ بمعاوية، لأن الأول غيّر صيغة داخله، والثاني ظل أسير صيغته.
إن تحقيق الثورية مهمةٌ شاقةٌ لا يقدر عليها إلا أقوياء النفوس، وأقوياء النفوس ليسوا ندرة، بل هم كثرةٌ بكثرة الشعوب وديمومة نضالها.
وقد تبدأ الثورية فردية، لكنها ببلورتها تصبح جموعاً، لأن التغيير الإبداعي لا يأتي إلا من متغيرين بدأوا بتغيير صيغتهم الداخلية ثم صاغوا قواعد العالم من رؤيةٍ جديدة.
انظر إلى نيتشه، أراد أن يتجاوز المعقول إلى ما وراء المعقول، فأوصلته عبقرية الرؤية إلى الجنون، لأنه رأى أن ضد العقل هو العقل. وانظر إلى بيتهوفن، أراد أن يتجاوز المسموعات إلى حنايا الصامتات ليعزف لغة الصمت، فأوصلته عبقرية السمع إلى الصمم، فأبدع أعظم معزوفاته حين تجاوز تقاليد السمع، فكان صممه ثورة. وانظر إلى المعري، كان عماه سبب إشعال عيونه الداخلية، فرأى ما لا يراه المبصرون.
كل الثورات، فكريةً وفنيةً واجتماعيةً، تبتغي هدفاً واحداً: تحطيم ما كان وإقامة ما ينبغي أن يكون.
فإذا لم يحقق الثائر نفسه أولاً وينتقل إلى تحقيق التغيير في خارجه ثانياً فهو لم يصنع شيئاً.
لقد انفجرت ثورات كثيرة، لكنها انفجرت عن حسٍ ناقصِ وعي، فكانت ثورات سلاحٍ فقط، والسلاح عملٌ تقليديٌ من العهد الحجري إلى الآن، كل الحيوانات تتناهش على الفريسة، والبشر تقاتلوا على المرعى والغنيمة، ثم تقاتلوا على السلطة: من يحكم؟ دون أن يسألوا: كيف يُحكم؟ فسقطت تيجان وارتفعت تيجان ولم يتغير سوى اللون.
الثورة الحقيقية تبدأ حساً بالتغيير، ثم وعياً بنوع التغيير، ثم خلق ملكاتٍ جديدةٍ تتناوب المواقع وتتآزر على بلوغ الهدف.
فإذا كنا إلى الآن لم نثُر، فلأننا لم نُعد صياغة نفوسنا لكي نصيغ سوانا. هكذا يوضح البردوني حقيقة ثوراتنا؛ التي كانت لا تثور على نظام إلا لكي تحل محله؛ فتكون امتداد طبيعي له. فهي دائماً ثوراتٌ بلا ثوار.

أترك تعليقاً

التعليقات