مروان ناصح

مـروان ناصح / لا ميديا -
السّقّاء.. رسول الماء في عالم الزمن الجميل
حين كان الماء يُنتظر كما تُنتظر البشارة، وحين كان العطش يُهزم بجرّة وصبْر، كان «السّقّاء» يمشي في الأزقة كغيمة أرضية، يحمل الحياة على كتفه، ويوزّعها بعدل على البيوت والقلوب.
لم يكن مجرّد ناقل ماء، بل رسول رحمة، وصديق العطاشى، وحارس النبع المتنقّل.

من النهر إلى الجرّة
بدأت الحكاية من ضفة النهر، حيث كانت الجرار تُغمس في الماء، كما تُغمس القلوب في الطمأنينة.
يحملها السّقّاء على كتفه، بخطوات متزنة، كمن يحمل كنزاً لا يُقدَّر بثمن.

التنك على ظهر الحمار
حين كبرت المدن واتّسعت الأزقة، انتقل الماء إلى «التنك»، وانتقل السّقّاء إلى رفقة الحمار.
صار الطريق أطول، والحمولة أثقل؛ لكن الإرادة بقيت صلبة، والوفاء للمهنة لم يتغيّر.

الطمبر.. عربة الحياة المتحرّكة
ثم جاء «الطمبر»، يستقر فوق عربة يجرّها حمار أو حصان، كخزان صغير للحياة.
يجوب الحارات ببطء، يعلن حضوره بصوته، فتُفتح الأبواب كما تُفتح النوافذ للضوء.

نداء الماء وذاكرة الصوت
كان لصوته نغمة خاصّة: "مااااي.. ماااي"، نداء يشبه الأذان اليومي للعطش، فتستيقظ البيوت، وتتحرّك الجرار، وتتهيّأ الأيادي لاستقبال النعمة.

قلم خلف الأذن ودفتر الغياب
خلف أذنه قلم، وفي ذاكرته دفتر لا يُرى. يسجّل على الجدران، أو في القلب، حساب كل بيت، وكل جرّة، وكل أسبوع.
ثقة متبادلة بلا أوراق ولا توقيعات.

حساب آخر الشهر
لم يكن يطالب يومياً، ولا يلحّ، ولا يساوم.
ينتظر نهاية الشهر. يطرق الأبواب بابتسامة، فيأخذ أجره بكرامة، ويترك خلفه دعاءً صادقاً.

حين جاءت الأنابيب وانسحب السّقّاء
ثم جاءت المياه إلى البيوت عبر الأنابيب، بلا جهد ولا انتظار.
اختفى السّقّاء بصمت، كما يختفي المطر حين تمتلئ الآبار... وبقيت صورته معلّقة في الذاكرة.

خاتمة:
السّقّاء لم يكن ناقل ماء فحسب، بل ناقل حياة، وساعي رحمة، ومعلّم صبر.
كان يعلّم الناس أن النعمة تُحترم، وأن الكدّ شرف، وأن العمل أمانة.
وحين رحل، لم ترحل مهنة وحدها، بل رحل زمن كان فيه الماء قصة، والتعب كرامة، والرزق بركة.

أترك تعليقاً

التعليقات