مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
 مصلّح بوابير الكاز.. رجلٌ يعيد للوقود دوره
رجلٌ يملك "الهواء" في يده، في زمنٍ كانت فيه النار تُدار بيدٍ لا بلمسة زرّ. كان هناك رجل يملك الهواء كما يملك الخباز العجين: يُعدّل، يضبط، ويُعيد الحياة إلى شيءٍ يبدو بلا روح.
هو مصلّح بوابير الكاز، ذلك الذي يعرف أن كل طنجرةٍ تتوقف، لا لأن النار انتهت، بل لأن "البوابة" أغلقت نفسها.

دكانةٌ صغيرة.. ومحرابٌ من معادن
الرفوف مكدّسة بالبوابير كأنها أعمدةٌ صغيرة من معبد قديم.
بعضها مكسور، وبعضها مقطوع، وبعضها يحمل ندوب الزمن...
والأكثرُ من ذلك: سيقان البوابير الثلاث التي انفصلت عن جسدها، تلك السيقان التي حملت حرارةً طويلة، حتى خلخلها الزمن وخلعها من مكانها.
هنا، لا يُنظر إلى البوابير كأشياء؛ بل كأجسادٍ لها عظامٌ، وأنفاسٌ، وحكايات.

حواس النار
البوابير ليست مجرد قطع معدنية، بل حواس النار.
إذا انسدت، يختنق اللهب، وينقلب الهدوء إلى قلق.
المصلّح يعرف هذا، فيُشبهها بالإنسان: حين تنسد بوابير النفس، لا تنطفئ الحياة، لكنها تتلعثم.

النكّاشة.. رقصة على رأس البوبور
النكّاشة ليست وظيفة، بل رقصة دقيقة.
يأخذ البوبور بيده، ويبدأ "نقره" على ثقب رأسه، كما ينقر العصفور حبة قمح؛ يُخرج منه ما علق به: تراب، صدأ، زغب، حتى يعود الرأس صافياً، كأنه يفتح عيناً كانت مغلقة.

طقس الفحص
قبل أن يبدأ، يفحص البوبور كما يفحص الطبيب المريض؛ يُحسّن الزاوية، يقيس الدقّة، ويبحث عن أي تآكل.
ليس كل بوبور يُصلّح، وأحياناً يرفضه. هذا الرجل لا يضحّي بالسلامة.

اللِّحام.. طقسٌ من الرصاص
حين تأتي قطعةٌ من الحديد منفصلة، لا يُرمى البوبور، بل يُعاد إليه ما فقده من "جسم".
يُحضّر مادة الرصاص، كأنه يحضّر عطراً للمعنى.
يُذيبها، وينتظرها حتى تصبح سائلة... ثم يأخذ حاجته منها بمكواة دقيقة ذات يد خشبية، كأنها عصا سحرية. ثم يبدأ "اللِّحام"؛
ليس كإصلاحٍ عادي، بل كزواجٍ بين معدنٍ وآخر، يُعيد البوبور إلى كينونته الأولى.

اللِّحام.. إعادة ترتيب القِدْر
حين يعود البوبور إلى مكانه، يعود معه القِدْر، ويعود صوت الغليان، ويعود "أكل البيت" إلى طبيعته.
اللِّحام ليس مجرد تقنية، بل إعادة ترتيب للقِدْر.
هو إعادة لشيءٍ كان مُقدراً أن يستمر؛ لكن الزمن حاول أن يقطعه.

ذهب.. وبقيت البوابير
ثم رحل المصلّح، كما رحل كثيرون من الذين كانوا يجعلون الحياة ممكنة.
لم يُسجّل اسمه في كتب، ولا في لوحات تذكارية؛ لكن البوابير بقيت في ذاكرة من عايشوها، تُذكّر من يمرّ بجانب الدكانة القديمة بوشيشها الأليف: كنت هنا!

خاتمة: القدّيس الذي لم تُكتب سيرته
هكذا كان، ذلك الرجل الذي يصلح البوابير ويُعيد إليها أرجلها، كأنّه يُعيد للبيت روحه.
هو الذي لم يكتب له التاريخ اسماً كبيراً، وفي كل مرة تُفتح فيها بوابةٌ للغاز، تُسمع في الذاكرة تلك الطرطقة الخفيفة؛
كأن النار تهمس:
أنا هنا؛ لأن أحدهم كان يلمّني، وكان يحبني بما يكفي لأن أتابع المشوار لخدمة الناس في صورة جديدة.

أترك تعليقاً

التعليقات