مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الفتّال.. ناسج العجين ومبدع الشعيرية
قبل أن تتحوّل الشعيرية إلى أكياس نائمة على الرفوف، وقبل أن يُختصر الطعم في تاريخ صلاحية، كان العجين يمرّ بطقسٍ سرّي: يدٌ بشرية تُعيد إليه ملامحه.
هناك، بين الطحين والماء، يقف الفتّال مثل كاهنٍ صغير، لا يبارك الطعام بالكلام، بل بالضغط البطيء على آلته اليدوية حتى يتعلّم العجين كيف يصير ذاكرة.

العجين.. كائن له مزاج
العجين بين يدي الفتّال ليس مادة خاما، بل جسد طريّ يستجيب لمن يفهمه.
يلمسه كما يُلمَس طفلٌ وليد، يشمّه كما تُشمّ الأرض بعد المطر، ويعرف من رائحته متى أوان الفتل.
العجين لا يُقهر بالقوة؛ إن أُسيء إليه تمرّد، وإن أحيط بالصبر انساب خيطًا خيطًا، كأنه يعترف أخيرًا بليونة الروح.

آلة الفتل.. حكمة البساطة
أداته لا تعرف الضجيج، قدْرٌ متواضع من حديد مثقب، على حامل بساقين طويلتين ومكبس معدني يدار بلولب يدوي.
الثقوب تشبه نوافذ صغيرة حسب الطلب، يضع العجين في القدر، ويضغط بثبات يشبه التنفّس العميق، فتخرج الشعيرية متساوية، لا أسرع من اللازم، ولا أبطأ، كأن العجين قرر أن يتحوّل شَعرًا.

حين تنزل الخيوط.. يصعد الزمن
مع كل خيط ينزل، كان الزمن يخفّ وزنه. النساء يراقبن بصمتٍ مهيب، الأطفال يحدّقون في المعجزة البطيئة، ورائحة العجين تملأ المكان كأنها عطر دافئ.
لم تكن الشعيرية مكوّنًا، بل إعلانًا غير مكتوب عن مواعيد لها مع البرغل والرز في وجبات الشتاء الموعود.

الفتّال.. مكانة بلا صخب
لم يكن كثير الكلام، فاليد التي تُتقن لا تحتاج إلى شرح.
يُؤتمن على العجين كما يُؤتمن على السر، ويعيده شعيرية نظيفة، لا غش فيها ولا استعجال.
كان يعرف البيوت من طلباتها، ويعرف الناس من صبرهم، وكان حضوره في الحي أشبه بطمأنينة ثابتة لا تُلاحَظ إلا عند غيابها.

بين الحرفة والمائدة
الفتّال لا يطبخ، لكنه يقف في أول السطر. فالطبخة التي لا تبدأ بخيوط متقنة تنتهي بطعم ناقص.
هو حرفيّ الظّل، الذي يضع البذرة الأولى للدفء، ثم ينسحب بهدوء ليأكل الآخرون بنهمٍ وينسوه.

حين غلب المصنع اليد
جاء المصنع سريعًا، أنيقًا، بلا ذاكرة. تشابهت الشعيرية، وتوحدت الأذواق، واختفى الرجل الذي كان يقيس الجودة بالعين والشمّ والصبر.
ربحنا السرعة، وخسرنا العلاقة الحميمة مع ما نأكله.

لماذا نتذكره اليوم؟
لأن الفتّال يذكّرنا بأن الطعام كان حكاية قبل أن يكون سلعة، وأن ما يُصنع باليد يحمل شيئًا من روح صاحبه.
في زمن الاستهلاك العجول، يقف الفتّال درسًا صامتًا في الصبر، والمهارة، وفي احترام التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق الكبير.

خاتمة
الفتّال لم يكن ناسج شعيرية فحسب، بل ناسج زمن.
خيوط العجين التي كانت تنزل من آلته لم تكن تُغذّي البطون وحدها، بل كانت تربط الناس بإيقاع أبطأ، وأصدق.
وحين نستحضره اليوم، نحن لا نبحث عن مهنة اندثرت، بل عن مشهد فقدنا مواعيده الخريفية، لأننا استعجلنا الحياة.

أترك تعليقاً

التعليقات