مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الملقّن في المسرح: حارس الذاكرة خلف الستار
حين كانت الخشبة معبداً للكلمة، وكان الضوء صلاةً تؤدّيها الأرواح، لم يكن الممثل وحده بطل المشهد، ولا المخرج وحده صانع الحلم، بل كان هناك رجلٌ خفيّ، يجلس في الظل، كقنديلٍ صغير يحرس النار الكبرى: الملقّن.
كان صوته همساً لا يُسمع، وحضوره ظلّاً لا يُرى، لكنه كان القلب الذي ينبض خلف الستار، والعين التي لا تنام حين تغفو الذاكرة.

الملّقن: ذاكرة المسرح السرّية
كان الملقّن مكتبةً حيّة، تمشي على قدمين، وتحفظ النص كما تحفظ الأم ملامح طفلها.
يحمل في صدره الكلمات كحبات لؤلؤ، لا يسمح لها أن تسقط، ولا يتركها تضيع في بحر النسيان.
كانت ذاكرته مثل سماءٍ مليئة بالنجوم، يعرف موقع كل نجمة فيها، ولو أظلمت الخشبة.

حارس النص وأمين الحرف
لم يكن النص عنده ورقاً، بل عهداً. وكانت الجملة أمانة، لا تُحرّف ولا تُبدَّل.
يقف خلف الستار (أو في الكمبوشة) كحارس معبدٍ قديم، يمنع اللحن من أن يتسرّب، ويحمي المعنى من الانكسار.
فإذا تعثّر الممثل، مدّ له خيط النجاة بصوتٍ خافت.

فنّ الهمس وصناعة المعجزات
صوت الملقّن لم يكن صوتاً، بل نسيماً. يدخل الأذن دون أن يوقظ الجمهور، ويصل القلب دون أن يفضح السرّ.
كان يزرع الكلمات في اللحظة المناسبة، كما يزرع الفلاح الأملَ بالمطر في عطش الأرض.
همسة واحدة منه، كانت قادرة على إنقاذ عرضٍ كامل من الغرق.

بين الصبر واليقظة
الملقّن هو أكثر أهل المسرح صبراً، وأشدّهم يقظة. يجلس ساعاتٍ طويلة، لا يتحرّك، لا يتململ، كأنه تمثالٌ من انتباه.
عيناه معلّقتان بالممثل، وقلبه معلّق بالجملة التالية.
ينتظر الخطأ كما ينتظر الطبيب النبض، لا ليُدين، بل ليُعالج.

الملقّن والإنسان الخفي
خلف هذا الدور الصامت، كان إنسانًا مليئاً بالمشاعر. يفرح لنجاح العرض كما يفرح الأب لنجاح ابنه، ويحزن للفشل كما يحزن الشاعر لضياع قصيدته.
لكنه يبتلع فرحه وحزنه، ويخبّئهما في صدره، كمن يدفن كنزاً لا يراه أحد. كان نجمه يضيء في الظل، لا في السماء.

صورة الملقّن في ذاكرة المسرح
في ذاكرة المسرحيين، ظلّ الملقّن رمزاً للوفاء.
هو ذلك الرجل الذي لا تصفق له الأيدي، ولا تلاحقه الأضواء، لكنه يبقى في القلوب مثل عطرٍ قديم في ثوبٍ عتيق، لا يزول مهما طال الزمن.
كم من عرضٍ كُتب له الخلود بفضل همسةٍ من خلف الستار.

بين الأمس واليوم: غياب الصوت الخفي
اليوم، حلّت الشاشات محلّ الهمسات، والتطبيقات محلّ الذاكرة، والأجهزة محلّ البشر.
صار الممثل يحمل النص في هاتفه، بدل أن يحمله إنسان في قلبه.
تراجع المسرح في نوبة كساد، واختفى الملقّن شيئًا فشيئاً، كما تختفي النجوم في ضوء المدن.
غاب الصوت الخفي، وبقي المسرح أكثر وحدةً، وأقلّ دفئاً.

خاتمة:
الملقّن لم يكن وظيفة، بل رسالة.
لم يكن ظلّاً باهتاً، بل نوراً مستتراً.
لم يكن صدىً، بل أصلاً.
كان حافظ الحلم، وسادن الكلمة، ورفيق الممثل في لحظة الارتباك والخلاص.
وحين نذكره اليوم، فنحن لا نرثي مهنةً منقرضة، بل نشتاق إلى زمنٍ كان فيه الإبداع عملاً جماعياً، والوفاء أساس الفن، والهمسة أقوى من الضجيج.
ذلك هو الملقّن.. حارس الذاكرة من خلف الستار.

أترك تعليقاً

التعليقات