أمريكا اللاتينية التحولات الطبقية والاقتصادية والصراع الدولي على النفوذ.. اليسار اللاتيني مكاسب مهددة وتحولات مؤجلة .. حلقة ثالثة
- أنس القاضي الأحد , 8 نـوفـمـبـر , 2026 الساعة 12:49:49 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
التوازن الإقليمي الجديد
أفضت هذه التحولات إلى تقلص عدد الحكومات اليسارية في أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى، مقابل اتساع حضور اليمين المحافظ والليبرالي والشعبوي، مع استمرار مراكز يسارية مؤثرة في البرازيل والمكسيك وأوروغواي. ويعكس هذا التوزيع تراجع الانتشار السياسي للموجة اليسارية الثانية، مع بقاء قوى اليسار جزءاً أساسياً من التنافس الاجتماعي والسياسي في المنطقة.
غير أن انتقال السلطة عبر الانتخابات لا يقدم بمفرده دليلاً على تحول دائم في الانتماءات الطبقية والأيديولوجية للناخبين، فقد شهدت المنطقة خلال العقود الماضية دورات متعاقبة من صعود اليسار واليمين، ارتبطت بالأزمات الاقتصادية وتغير التحالفات الاجتماعية وأداء الحكومات. كما أن استمرار اليسار في بلدان رئيسية، وعودته إلى الحكم في أوروغواي، يشيران إلى تفاوت قدرته على المحافظة على تنظيماته وقواعده الاجتماعية وتجديد برامجه السياسية.
وتكشف خريطة الفترة 2023-2026م عن أزمة تواجه جانباً مهماً من التجارب اليسارية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً حول طبيعة التحالفات الاجتماعية التي يستند إليها اليمين الصاعد، ومدى قدرتها على الاستمرار بعد الانتقال من المعارضة إلى الحكم. ويتصل تفسير هذه التحولات بالبنية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، وبنتائج السياسات التي تبنتها الحكومات المتعاقبة، وبالعلاقات بين الدولة ورأس المال والطبقات الشعبية، وهي العلاقات التي تحدد حدود الاستقرار السياسي وإمكانات التغيير الاجتماعي.
ثالثاً: الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية وحدودها
ارتبط صعود اليسار في أمريكا اللاتينية بأزمة النموذج النيوليبرالي الذي توسع منذ ثمانينيات القرن الماضي، وما ترتب عليه من خصخصة المؤسسات العامة وتحرير الأسواق وتقليص الإنفاق الاجتماعي وإضعاف الحماية العمالية، وقدمت الحكومات اليسارية والتقدمية برامج لإعادة توزيع الدخل وتوسيع دور الدولة في الاقتصاد والخدمات، مستندة إلى تحالفات اجتماعية ضمت العمال والفلاحين والقطاعات الشعبية والطبقات الوسطى، وحققت هذه البرامج نتائج متفاوتة في خفض الفقر وتحسين الأجور وتوسيع التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، مع استمرار اختلاف التجارب في طبيعة الملكية والسياسات الاقتصادية ومدى تدخل الدولة في الإنتاج والاستثمار.
استفادت الموجة اليسارية الأولى من ارتفاع أسعار النفط والغاز والمعادن والمنتجات الزراعية خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومن توسع الطلب الصيني على المواد الأولية، ما وفر للحكومات موارد مالية ساعدتها على تمويل برامج اجتماعية واسعة، فقد وسعت البرازيل برامج التحويلات النقدية ودعم الأسر الفقيرة، وعززت بوليفيا دور الدولة في قطاع المحروقات ووجهت جزءاً من عائداته إلى الإنفاق الاجتماعي، بينما استخدمت فنزويلا الإيرادات النفطية لتمويل برامج الصحة والتعليم والغذاء والإسكان، واتجهت أوروغواي إلى توسيع الحماية الاجتماعية وتعزيز المفاوضة الجماعية وحقوق العمال.
أسهمت هذه السياسات في تحسين أوضاع قطاعات واسعة من السكان، وأدت إلى تراجع الفقر وعدم المساواة في عدد من البلدان، كما عززت القدرة الاستهلاكية للفئات الشعبية ووسعت الأسواق الداخلية، غير أن النتائج لم تكن متساوية بين التجارب، فقد ارتبطت الإنجازات في بعض البلدان بزيادة الإنتاجية وتطور المؤسسات الضريبية والاجتماعية، بينما اعتمدت في بلدان أخرى بدرجة أكبر على الإيرادات الاستثنائية للصادرات، وهو اختلاف مهم في تفسير قدرة كل تجربة على المحافظة على مكاسبها عندما تغيرت الظروف الاقتصادية الدولية.
وظهر التباين بصورة أوضح في العلاقة بين الإصلاح الاجتماعي وتغيير البنية الاقتصادية، إذ حافظت حكومات يسار الوسط في البرازيل وأوروغواي على اقتصاد السوق والملكية الخاصة، مع استخدام الضرائب والإنفاق العام وتنظيم علاقات العمل لتحسين توزيع الدخل، بينما تبنت فنزويلا وبوليفيا سياسات أوسع لتوسيع ملكية الدولة وسيطرتها على القطاعات الاستراتيجية، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تجاوز الاعتماد على صادرات النفط والغاز والمواد الأولية، كما حافظت المكسيك على اندماجها العميق في سلاسل الإنتاج والتجارة الأمريكية الشمالية، رغم توسيع البرامج الاجتماعية وتعزيز دور الدولة في الطاقة والبنية التحتية.
وتكشف هذه التجارب عن حدود التغيير الذي تحقق في علاقات الإنتاج والملكية، فقد تحسنت حصة قطاعات شعبية من الدخل والخدمات، بينما استمرت قطاعات رئيسية من الإنتاج والتجارة والتمويل خاضعة لمنطق التراكم الرأسمالي، واحتفظ رأس المال المحلي والأجنبي بنفوذ واسع في الاستثمار والتشغيل والأسواق، وأصبحت الحكومات مطالبة بالموازنة بين تمويل البرامج الاجتماعية والمحافظة على الاستقرار النقدي وتشجيع الاستثمار الخاص، بما فرض قيوداً على قدرتها على توسيع الإصلاحات وإعادة توزيع الثروة.
ويبرز هنا التناقض بين التقدم الاجتماعي الذي حققته الحكومات اليسارية وبين محدودية التحول الإنتاجي الذي صاحب هذا التقدم، إذ ساعدت زيادة الإنفاق العام والتحويلات الاجتماعية على تخفيف آثار التفاوت الطبقي، بينما بقيت قطاعات واسعة من العمالة خارج علاقات العمل المستقرة والحماية النقابية، واستمرت الفوارق في ملكية الأرض ورأس المال والأصول الإنتاجية، الأمر الذي أبقى إعادة توزيع الدخل مرتبطة بالسياسة المالية للدولة أكثر من ارتباطها بإعادة تشكيل مصادر الثروة والسلطة الاقتصادية داخل المجتمع.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي