أزمــة الهيمنـة السعودية فــي اليمــن
- أنس القاضي الأثنين , 12 أكـتـوبـر , 2026 الساعة 12:10:18 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
بُنيت الهيمنة السعودية على اليمن تاريخياً على صناعة نخبة من الوكلاء الذين يعملون على إخضاع البلد، لفيف من مشايخ نافذين، ضباط كبار، سياسيين، زعامات حزبية، وبيوتات تجارية، يحصلون على المال والرعاية والحماية السعودية عبر اللجنة الخاصة وغيرها من القنوات؛ أي أنها سيدتهم على اليمن، نافية بذلك كل معاني الجمهورية والديمقراطية وحكم الشعب، يؤدون وظيفة مزدوجة، يدافعون عن مصالحهم الاحتكارية ويقفون أمام التحديث والتطور، ويدافعون في الوقت نفسه عن الهيمنة السعودية. وقد ارتبطت مصالحهم باستمرارها، ومن خلال هذه النخبة استطاعت الرياض، لأكثر من نصف قرن، أن تتغلغل في الدولة والمجتمع اليمني، وأن تجعل السلطة في اليمن تنظر إلى التبعية للسعودية بوصفها أمراً طبيعياً، وتدافع عن سياسة ترى أن «اليمن هو الحديقة الخلفية للمملكة».
منذ المصالحة الجمهورية الملكية عام 1970م ترسخ هذا النمط تدريجياً، تغيرت الحكومات والأسماء والتحالفات، وبقيت القاعدة العامة قريبة من ذاتها، نفوذ سعودي يمارس بواسطة اليمنيين النافذين، والمال السياسي الذي يعمل على تعطيل الاتجاهات الوطنية اليمنية الاستقلالية. ولم تكن المسألة في بحاجة دائماً إلى أوامر سعودية مباشرة، فالعلاقة الزبائنية نفسها كانت تنتج وعياً بالمصلحة لدى الوكلاء اليمنيين، يدركون ما ترضى عنه الرياض وما الذي تعتبره خروجاً عن مدارها. وبهذا أصبحت الهيمنة جزءاً من البنية الداخلية للسياسة اليمنية والدولة اليمنية.
هذه النخبة التابعة بدأت تدخل أزمتها منذ العام 2011م، فالحركة الاحتجاجية الشبابية فتحت المجال لانقسام الكتلة النافذة التي أدارت الدولة والمجتمع طوال العقود السابقة، وتحول الصراع بين أجنحتها إلى صراع على السلطة والثروة وشبكات النفوذ. وحاول جناح منها توظيف الاحتجاج الشعبي لإزاحة جناح آخر. وفي قلب هذا الصراع تراجعت قدرة النخبة القديمة على الظهور بوصفها كتلة واحدة تمسك بالمجتمع والدولة، وتراجعت معها قدرة السعودية على إخضاع اليمن بالطريقة ذاتها، لأن الأداة التي كانت تعتمد عليها بدأت تتفكك من داخلها قبل أن تُهزم من خارجها.
جاء العام 2014م ليعمق هذا التفكك. ومع صعود أنصار الله وسقوط مراكز نفوذ عسكرية وقبلية وسياسية تقليدية، فقدت السعودية جزءاً كبيراً من الرجال والمؤسسات والشبكات التي راكمت من خلالها نفوذها. ثم جاءت أحداث كانون الأول/ ديسمبر 2017م في صنعاء لتغلق مرحلة أخرى من تاريخ القوى القديمة. ومع كل تحول من هذه التحولات كانت الرياض تخسر قوة اجتماعية وسياسية وأمنية تعيد إنتاج الهيمنة السعودية، وفي إعادة إنتاج الهيمنة تُعيد هذه القوى التابعة إنتاج مصالحها الطفيلية التي رُبطت بالهيمنة الأجنبية.
القوى والشخصيات الموجودة اليوم في الرياض من المؤتمر والإصلاح وغيرهما هي في جانب كبير منها امتداد لجيل سياسي هُزم داخل اليمن، وبعضها ينتمي إلى الجيل الثاني لأسر وشخصيات صنعت نفوذها في زمن مختلف، وهي تحتفظ بعلاقاتها وتمويلها ومواقعها، لكنها فقدت القدرة القديمة على إعادة إنتاج الهيمنة داخل المجتمع.
وفي المقابل، ظهرت قوى جديدة خارج الشبكة السعودية التقليدية: أنصار الله في الشمال، والحراك الجنوبي بمكوناته المختلفة في الجنوب، ثم المجلس الانتقالي بوصفه أحد التعبيرات السياسية والعسكرية التي خرجت من البيئة الجنوبية وتداخلت لاحقاً مع النفوذ الإماراتي. وهذه القوى نشأت من أزمات المجتمع اليمني وصراعاته وتحولاته، ولم تنشأ داخل فضاء اللجنة الخاصة السعودية - الذي يجمع المتناقضات عادةً، ولهذا أصبحت السعودية أمام يمن يصعب إدارته بأدوات اليمن القديم، فشراء مجموعة من المشايخ أو الضباط أو السياسيين لم يعد يؤمّن السيطرة على المجتمع، والولاء الشخصي لم يعد يضمن ولاء المنطقة أو القبيلة أو الحزب.
الأعمق من تغير النخب هو تغير اليمن نفسه، اتساع المدن، التعليم، الهجرة، وسائل الاتصال، الحروب، التحولات الاقتصادية، نشوء أجيال جديدة، تغير مكانة القبيلة، توسع المجال السياسي، صعود الحركات الاجتماعية... كل ذلك أعاد تشكيل المجتمع الذي كانت الهيمنة السعودية تعمل داخله. ولهذا فإن أزمة السعودية في اليمن أوسع من فقدان بعض الحلفاء، فهي تحاول استعادة نمط من النفوذ فقــد جزءاً كبيراً من شروطه الاجتماعية، وتتصرف أحياناً كما لو أن اليمن ما يزال هو اليمن الذي يمكن ضبطه من خلال بضعة بيوت نافذة ورواتب شهرية تصل من الرياض.
من هنا، يمكن فهم الحرب السعودية منذ العام 2015م بوصفها محاولة لإعادة إنتاج الهيمنة بالقوة، بعد تراجع قدرتها على إنتاج نفسها بالوساطة. انتقلت السعودية من إدارة النفوذ عبر النخب إلى التدخـــــــل العسكري المباشر، ومن شراء التوازنات إلى محاولة صنعها بالطيران والحصار والتشكيلات المسلحة. وكان المطلوب من الحرب إعادة اليمن إلى المجال الذي تستطيع الرياض التحكم بحدوده السياسية والأمنية. لكن الحرب أنتجت نتيجة معاكسة في جانب مهم منها، فكل سنة من القتال رفعت قدرة صنعاء العسكرية، ووسعت خبرتها، وعمقت الانقسام بين القوى المرتبطة بالسعودية، ورفعت في الوقت نفسه كلفة استمرار التدخل على المملكة نفسها.
السعودية اليوم أمام أزمة تاريخية في علاقتها باليمن. صيغة الهيمنة القديمة تضعف، وصيغة العلاقة الجديدة لم تتشكل بعد، والانتقال الطبيعي يتطلب قبول اليمن دولة مستقلة صاحبة قرار، والتعامل معه على أساس الجوار والمصالح المتبادلة والسيادة، بينما ما تزال الرياض متشبثة بجزء من المنطق القديم، تريد أن تكون التسويات اليمنية متوافقة أولاً مع مصالحها، وتريد الاحتفاظ بقوى محلية قادرة على تعطيل أي مسار ترى فيه تقليصاً لنفوذها. ولهذا تتحول كل تسوية إلى صراع بين منطقين: منطق الدولة المستقلة، ومنطق المجال التابع.
يتضاعف هذا المأزق لأن السعودية نفسها تتغير، فالمملكة التي بنت قوتها على الريع النفطي تسعى اليوم إلى تنويع الاقتصاد، جذب الاستثمار، توسيع السياحة والصناعة والخدمات. ونجاح «رؤية 2030» يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة، وإلى صورة دولية لبلد قادر على حماية مطاراته ومنشآته ومشروعاته ورؤوس الأموال الداخلة إليه. وعندما تتحول الحرب في اليمن إلى خطر على النفط والطيران والمنشآت، تصبح الهيمنة نفسها عبئاً على المشروع الاقتصادي السعودي، وتتحول الحرب التي كان يفترض أن تنتج الأمن إلى عامل يهدد شروط الأمن الاقتصادي.
ويأتي ذلك في وقت تتغير فيه العلاقة الأمريكية بحلفائها. فواشنطن تميل أكثر إلى تحميل الحلفاء جزءاً أكبر من كلفة الدفاع. والسعودية تعتمد أمنياً على الولايات المتحدة بدرجة كبيرة. وهكذا تجد الرياض نفسها مطالبة بتمويل أمنها، وحماية اقتصادها، ومواصلة حرب مكلفة، وتمويل وكلاء محليين ضعفت قدرتهم على تغيير الميدان، في الوقت الذي تتعرض فيه هي نفسها لضغط مباشر من اليمن.
الأزمة بالنسبة إلى السعودية هي أزمة نموذج كامل، نموذج حكم العلاقة مع اليمن لعقود ووصل إلى حدوده، والرهان على إحيائه بالمزيد من الغارات والتحالفات والمرتزقة يرفع الكلفة أكثر مما يعيد إنتاج النفوذ، بينما يفتح الاعتراف بالواقع الجديد طريقاً مختلفاً، علاقة دولة بدولة، مصالح متبادلة، أمن متبادل، ورفع يد الهيمنة عن القرار اليمني.
المشكلة أن هذا التحول ثقيل سياسياً على محمد بن سلمان وعلى المؤسسة الحاكمة التي ارتبط صعودها بالحرب في اليمن، فالتسوية التي تبدو في الداخل السعودي هزيمة، يمكن أن تتحول إلى عبء على شرعية القيادة. ولهذا تحتاج الرياض إلى اتفاق تستطيع تقديمه بوصفه ضماناً لأمن المملكة، لا اعترافاً بفشل الحرب. وهنا تكتسب خارطة الطريق أهميتها، فهي تمنح السعودية مخرجاً يحفظ مصالحها الأمنية المشروعة ويتيح لها الخروج من المواجهة، وفي الوقت نفسه تفتح المجال لانتقال العلاقة مع اليمن من الهيمنة إلى الجوار.
أزمة السعودية في اليمن اليوم هي في جوهرها أزمة عجز عن إعادة إنتاج الماضي، فقد تغير اليمن، وتفككت النخب القديمة، وصعدت قوى جديدة، وتغير المجتمع، وتغيرت السعودية نفسها، وتغيرت البيئة الدولية، بينما بقيت داخل السياسة السعودية رغبة في الاحتفاظ بعلاقة صيغت لشروط تاريخية انتهى جزء كبير منها، وكلما تأخر الاعتراف بهذا التحول ارتفعت كلفة محاولة استعادة ما مضى، واتسعت الفجوة بين ما تريده الرياض وما تستطيع فرضه، وبين اليمن الذي تتخيله واليمن الموجود فعلاً.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي