مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الطرابيشي.. صانع الهيبة من القماش الأحمر
هذا المقال هدية إلى الصديقة الأستاذة روعة عميروش، 
فقد ذكرتني به أمس، وكنت ناسياً.

في زمنٍ لم يكن فيه الطربوش مجرّد غطاء للرأس، بل عنواناً للرجولة، ووساماً للوقار، وبطاقة تعريف اجتماعية، كان الطرابيشي يجلس في دكانه الصغير، يصنع من القماش الأحمر هيبةً، ومن الخيط والعرق تاريخاً يُلبَس.
كان سيد الطربوش، حارس شكله، ومهندس وقفته فوق الرؤوس.

حين كان الرأس يلبس الكرامة
لم يكن الطربوش مجرّد قطعة قماش. كان لغة صامتة تقول: هذا رجل محترم، وهذا زمن يعرف النظام، وهذه مدينة تعرف معنى الأناقة.
كان الطبيب، والقاضي، والتاجر، والمعلم، والموظف... يلتقون جميعاً تحت مظلة الطربوش، مع اختلاف خامته، وطوله، وطريقة لفّه.
حتى الطربوش كان له طبقات اجتماعية.

حرفة دقيقة بروح فنان
الطرابيشي لم يكن خياطاً عادياً. كان فناناً يعرف أسرار القماش واللباد، ومواسم الصوف، ودرجة الصلابة، وانحناءة الحافة، وتوازن الارتفاع.
يصنع الطربوش ليتربع على الرأس كما يتربع التاج على الملك، لا يميل، ولا يختل، ولا يشيخ بسرعة.

كل طربوش ناجح شهادة خبرة
بالألوان والهيئات والطبقات، لم تكن الطرابيش متشابهة.
بعضها أحمر قانٍ للأعيان، وبعضها قاتم للموظفين، وبعضها ناعم للوجهاء، وبعضها خشن لأبناء الأسواق...
حتى «الشرّابة» السوداء كانت لها دلالتها، وطولها لم يكن اعتباطياً.
كان الرأس يُقرأ من طربوشه.

رمز الأناقة والحشمة
مع الطربوش، كانت البدلة أنيقة، والسلوك محسوباً، والهيبة محفوظة.
من يلبسه يشعر تلقائياً أنه مطالب بالاحترام، والالتزام، والرصانة.
كان الطربوش يربّي صاحبه دون أن يتكلم.

الضربة القاضية: السياسة تهزم القماش
ثم جاءت السياسة، وحملت معها مقصّاً أكبر من مقص الطرابيشي.
حين تولّى مصطفى كمال أتاتورك الحكم بعد سقوط الدولة العثمانية، أصدر قراره الشهير: لا طرابيش بعد اليوم. القبعة الأوروبية بدلاً منها. سقط الطربوش بمرسوم.
وفي مصر، بعد ثورة 1952، تراجع الطربوش تدريجياً، حتى صار ذكرى في الصور القديمة، وعلى رؤوس الممثلين في الأفلام التاريخية.
انتهت الحرفة؛ لا لأن الناس كرهتها، بل لأن الزمن غيّر ذوقه بالقوة.

الطرابيشي.. آخر الحراس
أُغلقت الدكاكين، ورُفعت اليافطات، وانطفأت المكاوي، ورحل الأساتذة.
لم يبقَ منهم إلا أفراد قلائل في تونس وبعض المدن العربية، يقاومون النسيان، ويصنعون الطربوش كمن يصنع قطعة متحف حيّة.
حرفيون يقاومون العدم بالخيط والإبرة.
ولم يبق عندنا في بلاد الشام سوى كنية تتوارثها الأجيال، ولعل أشهرهم المفكّر الكبير الراحل جورج طرابيشي. 

خاتمة: حين يرحل الرمز ويبقى المعنى
لم يكن الطربوش مجرد موضة، بل ثقافة، وهوية، وصورة مجتمع كامل.
بسقوطه، سقطت مهنة، وسلوك، وجزء من الذاكرة.
وبغياب الطرابيشي، خسرنا رجلاً كان يصنع للرأس هيبته، وللشارع نظامه، وللأناقة معناها.
ويبقى السؤال معلّقاً في هواء الزمن: هل خسرنا قطعة قماش؟ أم خسرنا زمناً كاملاً؟!

أترك تعليقاً

التعليقات