مروان ناصح

مروان نــاصح / لا ميديا -
الكسّار.. نشيد اليد التي تُهذّب الصخر
في أقصى الهامش، حيث تنتهي المدينة من الكلام، ويبدأ الصخر في الإصغاء، يقف الكسّار.
لا ينتظر تصفيقًا، ولا يفاوض التعب، ولا يسأل الزمن عن مكافأته.
يقف كما تقف الجبال: صامتًا.. وممتلئًا بالفعل.
يمدّ يده إلى المطرقة لا كأداة، بل كامتدادٍ لنبضه.
يضرب.. فتستيقظ في الصخر ذاكرة قديمة، وتتكسّر القسوة لا الحجر وحده.

سيّد القوّة حين تتعلّم الحكمة
القوّة عنده ليست صرخة، بل همسٌ يعرف أين يوضع.
يعرف مواضع الضعف في الصخر، كما يعرف الإنسان تجاعيد وجهه في المرآة.
كل ضربة قرار، وكل توقف تفكير، وكل صدى اعتراف بأن المادة تفهم حين نخاطبها بعقلٍ لا بعنف.

ورشة الأرض
ورشته ليست مكانًا، بل حالة.
غبارٌ يعلّق الضوء، حديدٌ ينتظر إرادته، وصخورٌ تتهيأ لأن تصير طريقًا.
هنا، تتحوّل المطرقة إلى موسيقى خشنة، ويصير الإيقاع هو الزمن الحقيقي.

الصبر.. الاسم الآخر للقوّة
الكسّار لا يستعجل الحجر، ولا يخدعه الغضب. يعرف أن الصخر لا يُهزم، بل يُقنَع.
وأن الصبر ليس انتظارًا سلبيًا، بل عملٌ بطيء يشبه الصلاة.

من الفوضى يولد النظام
ما يراه الآخرون خرابًا، يراه هو احتمالًا.
آلة صدئة تعود للحياة، صخرة صمّاء تصبح أساس بيت، وتعبٌ ثقيل يتحوّل إلى معنى ملموس.
هو لا يكسّر العالم، بل يعيد ترتيبه بمنطق اليد العارفة.

قلبٌ قليل الكلام
لا يحكي كثيرًا، لأن يديه تحكيان عنه.
عيناه تسبقان الضربة، وعقله يروّض الجسد.
يضرب كما يرسم شاعرٌ قصيدته: بحذر، وبإحساسٍ داخلي لا يُدرَّس.

ضد النسيان
يعمل الكسّار ضد الزمن، ضد التآكل، ضد الفكرة السهلة التي تقول: إن كل ما هو يدويّ إلى زوال.
كل حجر يُفتَّت هو احتجاج صامت على عالمٍ ينسى قيمة الجهد.

ظلّ باقٍ
قد تتغيّر الآلات، وقد تختفي المهنة من الشوارع، لكن صورة الكسّار ستبقى: رجلًا يعلّمنا أن الإنجازات الكبرى تبدأ دائمًا بيدٍ صامتة وقلبٍ صبور.

خاتمة: نشيد التعب الشريف
الكسّار ليس مهنة، بل درس.
درسٌ في كيف تُدار القوّة، وكيف يُهذّب التعب، وكيف يتحوّل الصمت إلى أعلى أشكال الكلام.
هو الدليل الخفيّ على أن الإنسان، مهما أثقلته الصخور، قادرٌ أن يصنع منها طريقًا.

أترك تعليقاً

التعليقات