«نصر الله»: قائدٌ من طينة الأنبياء
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
في فلسفةِ التاريخ، هناكَ رجالٌ يعيشونَ في التاريخ، ورجلٌ واحدٌ يعيشُ التاريخُ فيه. الأولونَ يمرونَ كالأطيافِ وتطويهم صفحاتُ النسيان، والثاني يصيرُ هو التاريخَ نفسهُ، فلا يُؤرخُ بهِ بل يُؤرخُ لهُ، ولا يُقاسُ الزمنُ إلا به.
والسيدُ حسن نصر الله ليسَ من الصنفِ الأول، بل هو سيدُ الصنفِ الثاني بلا منازع.
إنهُ رجلُ الحقِّ حينَ استفحلَ الباطلُ وصارَ لهُ دولٌ وأساطيلُ ومنابرُ وفتاوى، ولسانُ الصدقِ حينَ صارَ الكذبُ دينَ الملوكِ ومذهبَ المثقفينَ وسوقَ الإعلام. بهِ ابتدأَ الزمانُ الفاعلُ بعدَ دهورٍ من الزمانِ العاطل، ومنهُ انبثقتِ الانتصاراتُ بعدَ قرونٍ من الهزائمِ التي صارتْ قدراً.
هو قائدٌ من طينةِ الأنبياءِ لا من طينةِ الساسة، وسيدٌ هبطَ من عالمِ الملكوتِ ليُصلحَ عالمَ الملك، فكانَ حضورهُ حضوراً رسالياً لا سياسياً فحسب.

مسيحُ هذه الأمة
لقد بدا فينا وكأنهُ المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ عليهما السلام، وليسَ هذا تشبيهاً أدبياً يُرادُ بهِ المبالغة، بل هو تشخيصٌ دقيقٌ لوظيفةٍ تاريخيةٍ إلهية قام بها السيد.
إنَّ المسيحَ جاءَ ليُبرئَ الأكمهَ والأبرصَ ويُحييَ الموتى بإذنِ الله. والسيدُ جاءَ ليُبرئَ عللاً هي أشدُّ فتكاً: علةٌ عقليةٌ جعلتْ عقلنا العربيَّ يؤمنُ أنَّ إسرائيلَ قدرٌ لا يُردُّ وجيشٌ لا يُقهر، وعلةٌ روحيةٌ جعلتْ أرواحنا تألفُ الذلَّ وتستمرئُ الهوان، وعلةٌ سياسيةٌ جعلتنا نعبدُ أمريكا رباً من دونِ الله، وعلةٌ اجتماعيةٌ مزقتنا طوائفَ ومذاهبَ متناحرة، وعلةٌ تاريخيةٌ أخرجتنا من حركةِ التاريخِ فصرنا على هامشهِ، وعلةٌ اعتقاديةٌ حولتْ ديننا الثوريَّ إلى دينِ استسلامٍ وطقوسٍ جوفاء.
بهِ أبصرتْ عيوننا العمياء. كانَ العربيُّ قبلَ عامِ 2000 كفيفاً يتحسسُ طريقهُ في ظلماتِ كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة. فجاءَ السيدُ في تحريرِ الجنوبِ فمسحَ على عيوننا، فإذا بنا نرى: نرى أنَّ المقاومةَ ممكنة، وأنَّ التحريرَ ممكن، وأنَّ «إسرائيلَ» أوهنُ من بيتِ العنكبوت. ثمَّ جاءَ تموزُ 2006 فكانَ البعثُ الكامل، انتقلنا فيه من إمكانيةِ النصرِ إلى حتميةِ النصر.
لقد كانَ بحقٍّ «مسيحَ هذهِ الأمة»، لأنهُ لم يحررْ أرضاً فقط، بل حررَ الإنسانَ من داخله، وبعثهُ من موتٍ حضاريٍّ استمرَّ منذُ نكسةِ 67. فالمسيحُ يُحيي الجسد، وهذا السيدُ أحيا أمةً كاملة فكراً وروحاً.
لقد كشف حقيقة كل شيء؛ فقبله كنا نرى أن الانتماءَ لمدرسةِ أهلِ البيتِ دعوىً عريضةٌ، يرفعُ لواءها كلُّ أحد، ويتزيّا بزيّها كلُّ مدّعٍ في كلِّ زمانٍ ومكان. لكنَّ هو علمنا أن المحكَ هو البرهان، والدليلُ هو الدمُ والموقفُ والثبات. والذينَ برهنوا على صدقِ دعواهم تلكَ ظلوا وسيظلونَ قلةً قليلةً نادرةً كالنجومِ في ليلٍ بهيم.
وأكملُ من تجلّتْ من خلالهِ حقيقةُ هذهِ المدرسةِ في عصرنا، كانَ شهيدنا الأقدس دون منازع.
ألم يكنْ علياً سيرةً ومسيرة؟ فهو خير مثالٍ على الزهد والورع: كانَ يعيشُ كأبسط الناس، وهو سيدُ المقاومة. وانظرْ إلى تواضعهِ: كانَ يجلسُ معَ أطفالِ الشهداءِ، يتفقد ذويهم، يبكي كلما التقى بهم، يجبر مصابهم، ويبادر بل ويتفانى في خدمتهم. وانظرْ إلى شجاعتهِ: كانَ يقفُ في قلبِ الضاحيةِ تحتَ القصفِ ويقولُ «لو اجتمعَ العالمُ كلهُ». وانظرْ إلى عدلهِ: لم يُعرفْ عنهُ أنهُ ظلمَ أحداً أو سكت على ظلم ظالمٍ، أو آثرَ قريباً على بعيد. وانظرْ إلى علمهِ وبصيرته: فمَن سواه استطاع سلب لب العدوِّ قبلَ الصديق؟!
ألم ينطلقْ منذُ البدءِ حسينياً هدفاً وغاية؟ فمنذُ اليومِ الأولِ لقيادتهِ، لم يكنْ هدفهِ تحريرَ مزرعةٍ أو قرية، بل كانَ هدفهُ إبقاءُ نهجِ الحسينِ حياً. كانتْ كربلاءُ بوصلتهُ، وعاشوراءُ زادهُ، والشهادةُ عشقهُ الأبدي الذي لا ينطفئ. هو حسينيٌّ في غايتهِ، علويٌّ في سيرته.
ولهذا كانَ المصداقَ الأتمَّ لقولِ جدهِ أميرِ المؤمنينَ وسيدِ البلغاءِ عليّ بن أبي طالبٍ عليهِ السلام، حينَ وقفَ في صفينَ والسيوفُ مشرعةٌ والموتُ يحصدُ الرجال:
- «فليُرعدوا وليُبرقوا، فقد رأَوني قديمًا، وعرفوا نكايتي، فكيف رأوني؟! أنا أبو الحسن الذي فللتُ حدّ المشركين، وفرّقتُ جماعتهم، وبذلك القلب ألقى عدوّي اليوم، وإنّي لعلى ما وعدني ربّي من النصر والتأييد، وعلى يقينٍ من أمري، وفي غير شبهةٍ من ديني.
- أيّها الناس، إنّ الموت لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيدٌ ولا محيصٌ، من لم يُقتل مات! إن أفضل الموت القتل، والذي نفس عليٍّ بيده لألف ضربةٍ بالسيف أهون من موتةٍ على الفراش».

أترك تعليقاً

التعليقات