مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ليس حزب الإصلاح ولادة يمنية خالصة في 13 سبتمبر 1990، كما يظن كثيرون. الوثائق تقول إن الجذور أقدم بستين عاما، وإن المنشأ ليس صنعاء بل القاهرة، وليس فكرة يمنية بل مشروع بريطاني.

البداية 1929
في القاهرة، في احتفال لجمعية الشبيبة المسلمة، ألقى حسن البنا محاضرة حضرها طلاب يمنيون. كانت تلك أول صلة موثقة بين الإخوان واليمن.

التنظيم 1944
بعد خمسة عشر عاما، أسس محمد محمود الزبيري وأحمد محمد النعمان وعدد من الأحرار في عدن جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. في ظاهرها جمعية وعظ، وفي باطنها مشروع دولة كهنوتية بميثاق مقدس كان يعد في المركز العام للإخوان في القاهرة.

التحول 1946
تطورت الجمعية إلى الجمعية اليمنية الكبرى ثم إلى حزب الأحرار. وفي نفس العام بعث حسن البنا رسالة إلى الإمام يحيى يطلب فيها إقامة حكومة إسلامية مسؤولة يؤازرها مجلس شورى لا ينتقص من سلطات الإمام.
وفي موسم الحج 1946 التقى البنا بالقاضي عبدالله الشماحي مبعوثا من أحمد المطاع وعبدالله الوزير، فنقل صورة اليمن وطلب فتح أبواب الجماعة للشباب اليمني في القاهرة وإرسال مدرسين إخوان إلى اليمن.
في هذه المرحلة يظهر اسم الفضيل الورتلاني الجزائري، الذي كان يتنقل بين الحجاز والقاهرة وعدن كحلقة وصل ومنسق بين الأحرار والإخوان.
هنا تتضح الشبكة: الزبيري، النعمان، المطاع، الوزير، الشماحي، الورتلاني، عبدالحكيم عابدين صهر البنا، جمال جميل الضابط العراقي، مصطفى الشكعة. كلهم أعضاء في الحركة الدستورية، وكلهم خونج بمعنى المشروع الإخواني.

الانقلاب 1948
ما سمي في كتب التاريخ ثورة دستور 1948 تصفه دراسة حديثة لمركز تريندز للبحوث بأنه أول انقلاب قام به الإخوان في اليمن عام 1948.
المفارقة أن اليمن المتوكلية كانت حينها من الدول العربية النادرة المستقلة التي لا تخضع للاستعمار باستثناء عدن المحمية البريطانية، لكن الحجة كانت جاهزة: إنقاذ اليمن من الجهل والتخلف.
قاد الانقلاب الورتلاني وعين مستشارا عاما للدولة، وعبدالحكيم عابدين، وجمال جميل وعين قائدا لقوات الأمن، وعبدالله الوزير ونصب نفسه أميرا للمؤمنين وإماما دستوريا ولقب نفسه الهادي إلى الحق، وإبراهيم يحيى حميد الدين رئيسا لمجلس الشورى، ومصطفى الشكعة رئيسا للإذاعة، وعدد آخر دخلوا اليمن تحت ستار التعليم.
الوثيقة الأخطر هي الميثاق الوطني المقدس، دستور ما بعد الانقلاب، الذي أعد في المركز العام للإخوان في القاهرة حتى قبل اغتيال الإمام يحيى، وملحقه يطلب بإلحاح من الورتلاني أن يقبل منصب المستشار العمومي ويحدد كيفية مكافأة المشاركين في الانقلاب.
بعد الفشل أصدر الإخوان بيانا ينكرون فيه صلتهم بالانقلاب، لكن مؤرخ الإخوان محمود عبد الحليم أقر لاحقا بأن الثورة خطط لها في المركز العام في القاهرة.

الرحم الواحدة
هنا تبرز النقطة المركزية التي تكشفها الوثائق البريطانية: الخونج منتج بريطاني كما هي الصهيونية.
روبرت داريفوس في كتابه لعبة الشيطان يؤكد أن بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى قدمت دعما غير محدود لأبرز أعلام الإسلام السياسي، وأن حسن البنا أنشأ جماعة الإخوان عام 1928 بدعم مباشر من شركة قناة السويس المملوكة لبريطانيا، وأن البريطانيين والملك استخدموا الإخوان وخاصة جناحها السري حين تستدعي الظروف.
مارك كورتس في كتابه الشؤون السرية: التواطؤ البريطاني مع الإسلام الراديكالي يكشف أن لندن بدأت تمويل الإخوان سرا عام 1942 أثناء الاحتلال البريطاني لمصر بالتعاون مع القصر والملك فاروق لإحداث الانقسام داخل الحركة الوطنية.
أما جون كولمان وكيل المخابرات البريطانية السابق MI6 فيعترف بأن بريطانيا صنعت الإخوان كتنظيم سري بدعم من ضباط بينهم T. E. Lawrence وBertrand Russell وSt John Philby بهدف إبقاء الشرق الأوسط تحت السيطرة.
الخلاصة: من 1929 إلى 1948 خيط واحد ممتد من شركة قناة السويس إلى جمعية الأمر بالمعروف إلى الميثاق المقدس إلى الانقلاب. مشروع واحد له وجهان: الصهيونية لتشتيت الجغرافيا، والخونج لتشتيت الذهنية. وما بعد 1948 ليس إلا إعادة إنتاج لذلك الأصل بواجهات جديدة، بنفس الأداة: فرز ثم استحواذ، وبنفس الكلفة: محرقة فاغرة على المستقبل حطبها الأجيال.

أترك تعليقاً

التعليقات