عن «جمهوريةٍ بين القطبين»
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لم يكتفِ صالح بأن بسط للخونج بساط الإمكانات والتسهيلات، ليجدوا الأرض الخصبة لزراعة تلك الذات التدميرية التكفيرية، المعزولة عن الحياة المجتمعية العامة، المنبتّة عن تربتها. بل مهد لهم كل شيء لصناعة بيئة تنظيمية تعيش في الوطن بجسدها، بينما روحها وعقلها ورؤيتها وعملها هناك، خارج دائرة الوطن والوطنية، معلقة بين عاصمة المال وعاصمة التنظيم وعاصمة الجهاد.
يعيشون في صنعاء ويسجدون للرياض. يأكلون من خبز اليمن ويهتفون لوطن متخيل لا يعرفه أحد. هم جيران لا أبناء، وضيوف ثقلاء لا أصحاب دار.
لم يتبنَّ الخونجي يوما قضية تعبر عن وطنيته، أو توحي بأن لديه أدنى حس بمعاناة الناس، وحمل همومهم، والتحرك من موقع المسؤولية لتغيير الواقع وإصلاح الفرد والمجتمع وبناء الدولة.
كان ينفر من كل عمل فكري أو اجتماعي أو أدبي أو سياسي يمجد اليمن واليمنيين، ويعزز فيك معنى الانتماء، كما ينفر الليل من الفجر.
فإذا سمعوا أغنية أو أنشودة تقول: أنا يمني، خرجوا من جحورهم كالجراد والبراغيث ليصيحوا: إسلامية إسلامية. وإذا سمعوا النشيد الوطني، وضعوا أصابعهم في آذانهم كالذي تتخطفه الصواعق، أو يتخبطه الشيطان من المس.
حتى إذا وقفوا في طوابير الصباح المدرسي، استبدلوا نشيد وطنهم بنشيد وطنهم المتخيل وهتفوا: لبيك إسلام البطولة. حتى العلم الوطني لم يسلم منهم: فتحية العلم مقدمة من مقدمات الشرك بالله. ومن قال: الله، الوطن، الثورة، الوحدة، فقد جعل مع الله إلها آخر.
هكذا كان الوطن بعين الخونج: آخر ما يستحق التفكير به. لذلك فالاحتلال العثماني لليمن فتح إسلامي مهما فعل من موبقات وارتكب من جرائم. ومثلما حاربوا الوطنية، حاربوا القومية، ومثلما تسربلوا بالدعوة الإسلامية، وقفوا ضد أي مشروع للوحدة بين أبناء الأمة الواحدة.
كل هذا جرى وقد أطلق نظام الوصاية يدهم في الجيش والأمن والتربية والتعليم ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات ومراكز الشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة.
فكانوا دولة داخل الدولة لقتل المجتمع والدولة معا. دولة بلا شعب، وجيشا بلا وطن، ومدرسة بلا هوية، ومسجدا بلا رحمة.
أما قاصمة الظهر فهي: «جامعة الإيمان».
لم تكن جامعة بالمعنى الأكاديمي، بل كانت قلعة. قلعة تمنح التكفير بطاقة عبور، وتمنح التعبئة على الحقد والكراهية مظهراً مقبولاً، وتمنح العزلة عن الناس؛ والكفر بالمواطن والوطن درجة علمية.
هدفها المعلن: إعداد الدعاة والعلماء. هدفها المضمر: صناعة النخبة الخونجية التي تدير المعاهد، وتفجر المساجد، وتفكك المجتمعات، وتزيف الوعي، وتدمر الدول التي لا تدين بدين البيت الأبيض، وتقف في مواجهة الكيان الصهيوني.
درس فيها الطلاب أبجديات السحل والتمثيل بجثث الآخر المخالف أو الخصم، على ضوء شريعة الغاب التكفيرية، والقائمة على تلك الأسس التي وضعها المنهج الوهابي الإخواني، وهكذا تخلقت تلك القنابل الموقوتة؛ من رحم الجهل المركب، والتدين المغشوش، الذي كان ينطلق من الحراني، وابن عبدالوهاب، والمودودي، والذي يدور حول تقسيمات لله، تدعي أن فيها كمال وحدانيته؛ تلك التقسيمات الأربعة هي: الإله، الرب، العبادة، الدين. كما تشربت معالم الإهلاك العام للوجود كله من «معالم على الطريق، لسيد قطب» و»جاهلية القرن العشرين لأخيه محمد قطب». تلك هي معالم جمهورية الخونج: إنها «جمهوريةٌ بين القطبين». نعم هذه هي جمهوريتهم، التي خرج منها آلاف الطلاب من أفريقيا وآسيا، بعد أن تحولوا مجرمين وقتلة لا يستريحون إلى على سفك الدماء، ولا يبتهجون إلا على مشاهد الدمار والحرق وقطع الأعناق.

أترك تعليقاً

التعليقات