روبيو يطلق من ميونيخ حملة صليبية جديدة:الأمريكي لإعادة تدوير الهيمنة الغربية كضرورة «حضارية»
- تم النشر بواسطة سعيد محمد
سعيد محمد - لندن / لا ميديا -
في مؤتمر ميونخ للأمن 2026، قدم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو رؤية جديدة تمجد الإرث الاستعماري، داعياً الغرب إلى استعادة هويته المسيحية وتجديد هيمنته العالمية عبر تحالف أطلسي صلب.
يمثل خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام مؤتمر ميونخ للأمن 2026 وثيقة بالغة الأهمية لفهم التحولات البنيوية في الرأسمالية العالمية في مرحلتها المتأخرة. إذ يُعلن فيه عن انتقال مركز الثقل في الأيديولوجية البرجوازية الغربية من “الليبرالية المعولمة” إلى “القومية الحمائية”، مستخدماً خطاباً “حضارياً” يستدعي الدين والتاريخ لتبرير صراع طبقي عالمي جديد. إن هذا الخطاب محاولة لإعادة ترميم الهيمنة الإمبريالية عبر توحيد الكتلة الرأسمالية الغربية (الأطلسية) ضد الجنوب العالمي والقوى الصاعدة، مستبدلاً الصراع الاقتصادي الصريح بسردية “صراع الحضارات”.
أولاً: البنية الفوقية كقناع للمصالح المادية
يعتمد روبيو في خطابه منهجاً مثالياً يقلب العلاقة بين الواقع المادي والوعي. هو يستهل حديثه بتمجيد “التحالف التاريخي” و”الحضارة الغربية”، ويستحضر “الإيمان المسيحي” و”التراث المشترك” كروابط مقدسة تجمع أمريكا وأوروبا، وهذه الشعارات جميعها ليست إلا “بنية فوقية” وظيفتها الأساسية خدمة “البنية التحتية” الاقتصادية.
ويلجأ الوزير إلى تقديس مفاهيم مثل “الحرية” و”سيادة القانون” ورموز ثقافية (من مايكل أنجلو إلى البيتلز) ليصنع هوية جامعة عابرة للطبقات سعياً منه لطمس التناقضات الطبقية الحادة داخل المجتمعات الغربية نفسها. فبدلاً من الحديث عن استغلال الشركات الكبرى للعمال في “حزام الصدأ” الأمريكي أو في المصانع الأوروبية، يستبدل روبيو الصراع الطبقي الداخلي بصراع خارجي وجودي. يصبح العامل الأمريكي والأوروبي، وفقاً لهذا الطرح، شريكاً روحياً للأوليغارشية الحاكمة في الدفاع عن “حضارة” مهددة، مما يُعمي بصيرته عن مصالحه الطبقية الحقيقية التي تتعارض مع مصالح النخبة التي يمثلها روبيو.
إن التركيز المفرط على “القيم المشتركة” يخدم غرضاً مادياً محدداً: رص الصفوف في معسكر الإمبريالية القديم لمواجهة المنافسين الجدد (الصين تحديداً). فالدعوة إلى “الوحدة الروحية” تترجم عملياً إلى اصطفاف عسكري واقتصادي يضمن استمرار تدفق الأرباح إلى المراكز الرأسمالية في واشنطن وبرلين ولندن.
ثانياً: تمجيد التراكم البدائي ورومانسية الاستعمار
أظهر خطاب روبيو جرأة نادرة في تبنيه للموروث الاستعماري. فهو يمتدح صراحة “المستكشفين” و”المبشرين” و”الجنود” الذين خرجوا من أوروبا لـ”بناء إمبراطوريات واسعة”. يشير هذا الجزء من الخطاب إلى جوهر “التراكم البدائي” لرأس المال كما وصفه ماركس. فالثروة الغربية التي يتفاخر بها روبيو تأسست على نهب موارد الأمريكيتين، واستعباد الشعوب، واستعمار الجنوب العالمي.
يُعيد روبيو صياغة تاريخ الاستعمار الدموي باعتباره “مغامرة شجاعة” و”نشراً للإيمان”، متجاهلاً الطبيعة الاستغلالية العنيفة لهذه الحقبة. هذا الاستدعاء الايجابي للماضي الكولونيالي يؤدي وظيفة أيديولوجية راهنة: شرعنة التدخلات الإمبريالية الجديدة. عندما يتحدث عن “استعادة السيطرة” و”التنافس على الحصة السوقية في اقتصادات الجنوب العالمي”، فهو يعلن بما يقرب من الصلف عن نية المعسكر الغربي إعادة هندسة العالم ليكون سوقاً خاضعاً ومصدراً للمواد الخام، تماماً كما فعل “الأسلاف” الذين يمتدحهم.
إن الإشارة إلى المستعمرين الإسبان والبريطانيين والفرنسيين باعتبارهم “أبطالاً” تؤكد أن المشروع الذي يطرحه ترامب وروبيو هو مشروع “استعادة” للهيمنة البيضاء، حيث يُنظر إلى بقية العالم كمجال حيوي للتوسع الرأسمالي الغربي، وليس كشركاء متساوين.
ثالثاً: أزمة الرأسمالية والتحول نحو الحمائية العسكرية
يقدم روبيو نقداً لاذعاً لمرحلة “نهاية التاريخ” والعولمة النيوليبرالية، واصفاً إياها بـ”الوهم”. ويعكس هذا النقد وعي الجناح اليميني من الطبقة الحاكمة بأن العولمة السائلة باتت تهدد الاحتكارات الغربية. ويقر بأن “التجارة الحرة غير المقيدة” أدت إلى “تراجع التصنيع” و”نقل الوظائف”. لكن تشخيصه للأزمة يبقى سطحياً ومضللاً. فهو يصور الأمر كـ”خطأ في السياسات” أو “سذاجة”، بينما الحقيقة تكمن في قوانين حركة رأس المال نفسها. فالشركات الأمريكية والأوروبية نقلت مصانعها إلى الخارج بحثاً عن معدلات ربح أعلى وعمالة أرخص، استجابة لقانون “ميل معدل الربح للانخفاض”.
الحل الذي يطرحه الوزير (إعادة التصنيع، الحمائية، السيطرة على سلاسل التوريد) يمثل انتقالاً إلى “رأسمالية الدولة الاحتكارية” ذات الطابع العسكري. هو يربط الاقتصاد بالأمن القومي بشكل عضوي، داعياً إلى توجيه الصناعة لخدمة الآلة الحربية (الأسلحة، الفضاء، الذكاء الاصطناعي). وتكشف هذه الاستراتيجية أن “تجديد الحضارة” يتطلب عسكرة المجتمع والاقتصاد، حيث تتدخل الدولة بقوة لضمان أرباح الشركات الوطنية وحمايتها من المنافسة الأجنبية، دافعة ثمن ذلك من جيوب الطبقة العاملة عبر الضرائب والتضخم وتقليص الخدمات الاجتماعية (التي يسخر منها روبيو بوصفها “دولة الرفاه العالمية”).
رابعاً: “الفائض البشري” وصناعة العدو الداخلي
يتناول الخطاب قضية الهجرة باعتبارها “تهديداً وجودياً” لتماسك المجتمع واستمرار الحضارة. يمثل هذا الطرح توظيفاً كلاسيكياً لسياسة “فرق تسد”. فبدلاً من توجيه غضب الطبقة العاملة الغربية نحو الشركات التي دمرت وظائفهم أو السياسات التقشفية، يوجه روبيو هذا الغضب نحو المهاجرين.
المهاجرون بالطبع هم جزء من “الجيش الاحتياطي للعمل”، وهم ضحايا للسياسات الإمبريالية نفسها التي دمرت بلدانهم الأصلية (عبر الحروب أو النهب الاقتصادي). يُحول روبيو الضحية إلى جانٍ، ويستخدم “الهوية الثقافية” و”الحدود” كأسوار لحماية امتيازات المراكز الرأسمالية.
إن تشديد الرقابة على الحدود ووصم المهاجرين يخدم الطبقة الحاكمة مرتين: أولاً، بتوفير كبش فداء للأزمات الاقتصادية؛ وثانياً، بخلق طبقة عاملة منقسمة وضعيفة، حيث يرى العامل المحلي في زميله المهاجر عدواً ثقافياً بدلاً من حليف طبقي في مواجهة استغلال رأس المال.
خامساً: المؤسسات الدولية كأدوات طيعة
يظهر موقف روبيو من الأمم المتحدة والقانون الدولي الطبيعة الأداتية للمؤسسات في النظام الرأسمالي العالمي. هو يعلن بوضوح أن هذه المؤسسات يجب أن تخدم “المصالح الوطنية” (أي مصالح الطبقة الحاكمة الأمريكية)، وإلا فإنها تصبح “تجريدات” بلا قيمة.
يستشهد روبيو بالعمليات العسكرية الأمريكية الفردية (في إيران، فنزويلا) كبديل ناجع للدبلوماسية الدولية، مؤكداً أولوية القوة العنفية على القانون. هذا يثبت المقولة الماركسية بأن الدولة (وعلى نطاق أوسع، النظام الدولي الذي تهيمن عليه) هي في النهاية “جهاز لقمع طبقة من قبل طبقة أخرى”. الولايات المتحدة تظهر من هذا المنظور كقوة بوليسية عالمية تفرض شروط التراكم الرأسمالي بالقوة العسكرية المباشرة، متجاوزة أي أوهام حول “الشرعية الدولية” عندما تتعارض مع مصالحها.
سادساً: التنافس بين الإمبرياليات وخطر الحرب
يخصص الخطاب حيزاً كبيراً للحديث عن الصين وروسيا، وعن ضرورة “تسليح” الحلفاء الأوروبيين. يعكس هذا الخطاب تصاعد التناقضات بين القوى الإمبريالية الكبرى. يرى روبيو في صعود الصين تهديداً للهيمنة الغربية، ويدعو إلى تعبئة شاملة للموارد الغربية لمواجهة هذا التحدي.
إن دعوته لأوروبا لزيادة الإنفاق العسكري و”الدفاع عن نفسها” هي دعوة لدمج أوروبا بشكل كامل في الاستراتيجية الأمريكية الكونية، وتحويل القارة العجوز إلى خط دفاع أمامي في الصراع القادم. يكشف هذا عن ميل الرأسمالية الحتمي نحو الحرب كوسيلة لحل أزماتها وتوسيع أسواقها. فالحديث عن “السلام” و”الاستقرار” في خطاب روبيو يظل مشروطاً بالخضوع التام للهيمنة الغربية؛ وأي تحدٍ لهذه الهيمنة يواجه بـ”القوة الصلبة”.
الوجه السافر للهمجية الرأسمالية
يمثل خطاب ماركو روبيو إعلاناً صريحاً عن نهاية مرحلة “القوة الناعمة” وبداية مرحلة “القوة الخشنة” في إدارة النظام العالمي. إنه يزيل الأقنعة الليبرالية التي كانت تغطي وجه الإمبريالية، كاشفاً عن جوهرها القائم على النهب، والعسكرة، والتراتبية العرقية، والثقافية.
إن هذا الخطاب يجسد محاولة الطبقة البرجوازية الغربية لتأبيد سيطرتها في زمن الأزمات عبر العودة إلى أساطير الماضي الاستعماري. إنه دعوة لتوحيد “الغرب” ككتلة عسكرية -صناعية مغلقة في وجه بقية العالم. وبهذا، يؤكد الخطاب صحة التحليل القائل بأن الرأسمالية في أزماتها الوجودية تلجأ دائماً إلى الفاشية المقنعة بأردية قومية ودينية، محولة البشرية ومستقبلها إلى مجرد وقود لماكينة الأرباح والحروب الدائمة. إن “الحضارة” التي يدافع عنها روبيو هنا تبدو، عند الفحص الدقيق، اسماً حركياً لاستمرار استغلال الإنسان للإنسان، وتكريس هيمنة القلة المالكة على الأغلبية المنتجة، محلياً وعالمياً.










المصدر سعيد محمد