دمشق - خاص / لا ميديا -
مع التغير الدراماتيكي الذي حصل في سورية، ونقلها من منظومة المقاومة إلى الضفة الأخرى، أثير تساؤل كبير عن موقف السلطات السورية الجديدة، من العدوان (الأمريكي -"الإسرائيلي")، على إيران.
ومع دخول العدوان شهره الثاني، تعيش سورية حالة هدوء، وكأنها خارج هذا الصراع، لكن التدقيق في أسباب هذه الحرب ومجرياتها وتداعياتها يجعل سورية في قلب ما يجري، وهو ما يثير التساؤل عن أسباب هذا الهدوء، وهي الموجودة في محيط يشتعل من حولها.
ليس سراً، أن السلطات في دمشق، تقف موقفاً غير ودي -إن لم نقل معاديا- من إيران والمقاومة اللبنانية بسبب تداعيات الأحداث في سورية على مدى أربعة عشر عاماً، ووقوف طهران والمقاومة مع النظام السوري المنهار، مما أثار تكهنات بأن سورية سيكون لها دور في أي حرب ستنشب في المنطقة ضدهما، خاصة وأن العلاقة بين السلطات السورية والكيان "الإسرائيلي" لم تعد سراً، وعندما نشبت الحرب ضد إيران أثيرت تساؤلات كثيرة عن موقف سورية، ودورها المتوقع في هذه الحرب.
رغم هذه الرهانات، بقيت سورية هادئة، وبقيت، لأول مرة منذ بدء الأزمة فيها عام 2011، بدون أن تكون ساحة للصراع وتصفية الحسابات بين كل القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، وهو ما أثار ارتياح الشعب السوري، من هذه النقطة تحديداً، خاصة وأن لديه ما يكفيه من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.
الموقف السوري لم يأت من فراغ، ويبدو أن مسار الحرب بغير ما كانت تتوقعه واشنطن و"تل أبيب"، وصمود إيران والمقاومة وتوجيههما ضربات مؤثرة وموجعة للكيان الصهيوني والقواعد الأمريكية في المنطقة كان له تأثيره على الموقف الرسمي والشعبي، وهو ما حدث في كل دول المنطقة، بما فيها دول الخليج التي لم تدخل الحرب بشكل رسمي، رغم أنها تتلقى أعنف الضربات خلال ضرب إيران للقواعد والمواقع الأمريكية فيها.
لكن هذا لم يكن المؤثر الوحيد على الموقف السوري، وإنما كانت هناك عوامل أخرى:
- وجود مزاج عام عند أغلبية الشعب السوري مؤيد للمقاومة، ويحتفظ باحترام خاص للشهيد حسن نصر الله.
- وجود مزاج عام عند معظم شرائح المجتمع السوري معاد للكيان "الإسرائيلي"، خاصة بعد الاعتداءات "الإسرائيلية"، وتمددها في الجولان والجنوب السوري.
- وجود عدد من الفصائل المنضوية في الجيش السوري المعارضة لأي تورط سوري في القتال في الصف الذي يقف به الكيان الصهيوني، والحديث عن قيام فصائل بإيصال السلاح إلى المقاومة اللبنانية، وبوتيرة أكبر مما كانت عليه أيام نظام الرئيس بشار الأسد.
- إدراك النخب السورية بخطورة المشروع الصهيوني على المنطقة بشكل عام، وسورية بشكل خاص.
هذا في الأسباب المباشرة، لكن بالتأكيد هناك أسباب جيوسياسية واستراتيجية أبعد من ذلك، تتعلق بأسباب داخلية وموقف سورية وموقعها الجيوسياسي الهام والمؤثر، فالشعب السوري يعيش حالة معاناة صعبة من تداعيات أربعة عشر عاماً من الحرب، والفترة الصعبة التي مر بها بعد التغيير، وحاجة سورية دولة وشعباً للهدوء، ومحاولة الوصول إلى إعادة البناء والإعمار ليس فقط للاقتصاد والبنية التحتية، وإنما حتى للمجتمع السوري الذي مزقته الحرب.
كما يوجد رأي عام، وخاصة عند النخب، يريد إخراج سورية من كونها ساحة صراع وتصفية حسابات بين القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، وكذلك بين المشاريع المتعددة التي تريد الهيمنة والسيطرة على المنطقة، وفي مقدمتها سورية.
أيضاً توجد حاجة سورية، للخروج من مرحلة الارتهان، للدول والقوى الخارجية، والوصول إلى قرار وطني مستقل، يعيد لها دورها وقرارها المؤثر، خاصة وأن سورية، بموقعها الجيوسياسي الفريد، يعطيها دوراً مؤثراً خارج حدودها، وبما يفوق حجمها الجغرافي بكثير، وهذا يحتاج إلى اعتماد موقف وطني، منطلق من مصالح سورية، والشعب السوري، وليس من مصالح القوى الخارجية وحساباتها.
أيضاً شكل موقف دول المنطقة، وفي مقدمتها مصر وتركيا، التي فضلت عدم التورط في الحرب، وكذلك موقف دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، التي لم تدخل الحرب بشكل رسمي، رغم أنها تشكل ساحة لها، شكل حافزاً للسلطات السورية، لاتخاذ موقف مشابه لعدم التورط في الحرب.
كما أن غموض مصير الصراع، واحتمالات تطوره إلى مسارات مفتوحة وخطيرة، شكل تحذيراً بأن أي تورط سوري مباشر، سيضعها في صدام مباشر مع قوى إقليمية عديدة، في مقدمتها الحشد الشعبي في العراق، والمقاومة اللبنانية، وبما يفتح المجال، لتوسيع الحرب، وتورط جهات إقليمية عديدة فيها.
يضاف إلى كل ذلك، أن الوضع العسكري لسورية، وحالة جيشها، بعد التطورات التي حدثت، بفعل التغيير، وحل الجيش السوري السابق، وتدمير معظم عتاده العسكري، على يد "إسرائيل" يجعل قدرة السلطات السورية، على المناورة العسكرية، أو التورط في صراعات مع قوى ودول خارجية، محدودة وغير مضمونة النتائج.
هذه التوازنات الجيوسياسية، الحساسة والدقيقة، أعطت السلطات السورية، هامشاً لاتخاذ القرار الصحيح، بعدم التورط في العدوان (الأمريكي -"الإسرائيلي") على إيران، وبشكل ساعد على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، والتوازن بين المصلحة الوطنية السورية، والمصالح المشتركة، للأطراف الإقليمية والدولية، بانتظار تبلور الصورة التي ستنتهي بها الحرب، والتي قد تعطي سورية، موقعاً أفضل، سياسياً واقتصادياً، بعد الأزمات التي تسببت بها الحرب، ووقف توريدات النفط والغاز، عن طريق مضيق هرمز، ووقوع سورية على الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط، والذي يجعلها كمرر تجاري استراتيجي، يمكن الاعتماد عليه، لنقل البضائع، عبر البر السوري، والموانئ البحرية، كبديل عن الممرات البحرية، التي تشهد توترات أمنية متصاعدة، وأيضا كممر لخطوط نقل وتوريد الطاقة، إضافة إلى ما هو مؤكد، من كميات كبيرة من النفط والغاز، في الشواطئ السورية، والتي لم تستثمر بعد، وهو ما تحدث عنه البعوث الأمريكي إلى سورية، توم باراك، الذي قال إن سوريا قد تتحول إلى بديل مستقر، وسط أزمات هرمز والبحر الأحمر.. مشروع "البحار الأربعة" قد يجعل من تركيا وسوريا، مركزًا عالميًا للطاقة.
الحرب مستمرة، ولم تنته بعد، ولا يعرف حتى الآن كيف ستنتهي، والكل بانتظار كيف ستكون هذه النهاية، والشعب السوري ينتظر، لكنه يعيش لأول مرة، حالة هدوء، يأمل أن تستمر، وأن تصبح دائمة، الآن وبعد الحرب.