عادل بشر / لا ميديا -
في لحظة تتقاطع فيها الحرب مع الخطاب، والتهديد مع الابتذال، تحولت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن العدوان على إيران إلى مادة سجال داخلي في الولايات المتحدة، لا بسبب أكاذيبه وتناقضاته حول الحرب، وإنما اللغة نفسها خرجت من إطار «الرئاسة» إلى مستوى أثار صدمة حتى داخل المؤسسات الأمريكية والإعلام الغربي.

خطاب الحرب بلسان منفلت
التهديد الأمريكي الذي أطلقه ترامب، مساء أمس الأول، بضرب محطات الطاقة والجسور في إيران، مستخدماً ألفاظاً وعبارات بذيئة، لم يكن جديداً في سياق عدوان واشنطن و«تل أبيب» على طهران؛ لكن الجديد -كما رصدته صحف مثل «واشنطن بوست» و«الغارديان» و«نيوزويك»- هو أن رئيس الولايات المتحدة بات يتحدث على وسائل التواصل الاجتماعي بلغة أقرب إلى منشورات الغضب والإحباط، منها إلى خطاب رئيس دولة تمتلك أكبر ترسانة عسكرية في العالم.
عبارات من قبيل «الجحيم خلال 48 ساعة» وتهديدات علنية بارتكاب المزيد من جرائم الحرب، ونداءات مليئة بالألفاظ النابية، لا تأتي فقط كتصعيد عسكري، وإنما كدليل على أزمة أعمق تعيشها الإدارة الأمريكية إثر انكشاف الفخ الذي أوقعها فيه الكيان الصهيوني  بتوريطها في حرب مع إيران خدمة لـ«إسرائيل».
وكان ترامب قد كتب على موقع «تروث سوشيال»: «يوم الثلاثاء سيكون يوم ضرب محطات الطاقة والجسور في إيران. لن يكون هناك مثيل له! افتحوا المضيق اللعين أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون جحيماً».

«رئيس السلام» الذي يطلب الحرب
السخرية بلغت ذروتها في التغطية الغربية نفسها. فصحيفة «واشنطن بوست» أعادت التذكير بمفارقة صارخة: الرجل الذي وعد خلال حملته الانتخابية بأنه «لن يبدأ حرباً» وأنه سيطفئ النزاعات، هو نفسه الذي يهدد اليوم بـ«إعادة إيران إلى العصور الحجرية».
هذا التناقض لم يمر مرور الكرام. فبين خطاب الفوز عام 2024، حين قدم ترامب نفسه كـ«رئيس سلام»، وخطاب 2026 المليء بالوعيد، تبدو السياسة الأمريكية وكأنها تتحرك بين نقيضين: «وعود إنهاء الحروب، وواقع إشعالها».
وذهبت «واشنطن بوست» في تقريرها إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن ما يجري ليس مجرد تحول في الموقف، وإنما «انكشاف» لنهج قائم على الابتزاز والتراجع، إذ يتم رفع سقف التهديد ثم تأجيله مراراً، في محاولة لإدارة الأسواق المالية والضغط السياسي دون امتلاك استراتيجية حقيقية.
وأشارت إلى جرائم الحرب التي لا يخجل ترامب من ترديدها علانيةً، ومنها «توسيع نطاق أهداف الضربات لتشمل البنية التحتية الأساسية اللازمة للحياة اليومية، إلى جانب الصادرات الرئيسية للبلاد»، لافتة إلى أن أمريكا و«إسرائيل» يرتكبان جرائم حرب منذ بدء العدوان على إيران.

إحباط وهذيان
«واشنطن بوست» أكدت بصريح العبارة في تقريرها أن «تهديدات الرئيس ترامب أظهرت إحباطاً متزايداً من عدم إظهار طهران أي استعداد للاستسلام في حرب مكلفة وخطيرة وغير شعبية سياسياً بشكل متزايد».
ونشرت الصحيفة تصريحاً للسيناتور الديمقراطي تيم كين، عضو لجنتي العلاقات الخارجية والقوات المسلحة بمجلس الشيوخ، في برنامج «ميت ذا برس» على قناة «إن بي سي»، أمس الأول، قال فيه: «يرى الناس أن هذا الرئيس قد تورط في حرب دون مبرر واضح. ولن يُخفي أي قدر من الشتائم أو التباهي أو الخطاب الحاد. حقيقة، إن هذا الرئيس لم يكن لديه مبرر، ولا يملك خطة حقيقية».
من جهته وصف زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، تصريحات ترامب بأنها صادرة عن «رجل مختل يصرخ على وسائل التواصل»، بينما اعتبر السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز أنها «هذيان شخص خطير وغير متزن»، مطالباً الكونجرس بالتحرك فوراً لوقف هذه الحرب، وفقاً لما نشرته مجلة «نيوزويك» الأمريكية.
ونقلت المجلة عن السيناتورة الديمقراطية باتي موراي قولها إن ترامب «رجل يعاني حالة خطيرة ويعيش نشوة سلطة خطرة»، في تعبير يعكس تصاعد القلق داخل المؤسسة السياسية، وطالبت الجمهوريين بالانضمام إلى الديمقراطيين لوقف هذه الحرب فوراً.
وأشارت «نيوزويك» إلى أن بعض المشرعين ذهبوا أبعد من ذلك، ملوّحين بإمكانية اللجوء إلى التعديل (25) من الدستور، الذي يتيح عزل الرئيس إذا اعتُبر غير قادر على أداء مهامه.
ونقلت المجلة، أيضاً، عن ماري ترامب، ابنة أخت ترامب التي انقطعت علاقتها به، تعليقها على ما حصل بالقول: «ليست المشكلة في أن دونالد أرسل هذه الرسالة بهذا السوء، بل هي في ألا أحد يشعر أنه قادر على إيقافه، أو الأسوأ من ذلك ألا أحد يعتقد أنه ينبغي عليه فعل ذلك».

مجنون وقاتل
بدوره نقل موقع «ذا هيل» الأمريكي عن النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين (الحليفة السابقة لترامب) وصفها له بأنه «مجنون» و«ليس مسيحياً»، مضيفة أن على المسؤولين في إدارته «التدخل لوقف هذا الجنون».
وأوضحت أن من يمتلك أسلحة نووية معروف، وهي «إسرائيل»، مبرزة أن «إسرائيل قادرة تماماً على الدفاع عن نفسها من دون أن تضطر الولايات المتحدة لخوض حروبها، وقتل الأبرياء والأطفال، ودفع ثمن ذلك»، وختمت بقولها إن «تهديد ترامب بقصف محطات الطاقة والجسور يؤذي الشعب الإيراني، الشعب الذي ادعى ترامب أنه يحرره».
أما صحيفة «الغارديان» البريطانية فقد ركزت على حالة «الصدمة» داخل الأوساط السياسية، مشيرة إلى أن عدداً من المسؤولين وصفوا ترامب بأنه يتحدث «كشخص منفلت»، محذرين من أن تهديداته تستهدف بنية تحتية مدنية، ما يفاقم المخاوف من اتساع الحرب.

نظام عاجز
في النهاية، وفقاً لمراقبين، تكشف هذه الأزمة عن حقيقة جوهرية، وهي أن «الكلمات في السياسة الدولية قد تكون خطيرة بقدر الصواريخ».
فحين يهدد رئيس دولة عظمى بقصف بنى تحتية مدنية، ومستخدماً لغة نابية، فإن ذلك يضاعف التوتر العسكري، ويفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب، قد يبدأ بتغريدة وينتهي بحرب طاحنة لا نهاية قريبة لها.
وإذا كان الإعلام الأمريكي والغربي قد تعامل مع تصريحات دونالد ترامب بمزيج من السخرية والقلق، فإن ما بين السطور يكشف أزمة أعمق تعيشها الولايات المتحدة، تتركز في نظام سياسي بات عاجزاً حتى عن ضبط لغته، قبل أن يعجز عن ضبط حروبه.