عادل بشر / لا ميديا -
في لحظة يعلو فيها صخب التهديدات الأمريكية ضد إيران، وتُروج فيها في «تل أبيب» روايات «النصر» على جبهات متعددة، تكشف تقارير ووسائل إعلام صهيونية عن صورة مغايرة تماما «ارتباك استراتيجي، شكوك عميقة في جدوى الحرب، واعتراف ضمني بفشل الرهانات العسكرية والسياسية في كسر خصوم يزدادون صلابةً مع كل جولة تصعيد».
صحيفة «يديعوت أحرونوت»، نشرت، أمس، تقريراً وجهت فيه صفعة مباشرة للقيادة الأمريكية والصهيونية، داعية إياها إلى التوقف عن «التشدّق بانتصارات زائفة».
وبسخرية علقت الصحيفة على الانتشاء المُصطنع في الإدارة الأمريكية نتيجة إنقاذ الطيار الذي أُسقطت طائرته في الأراضي الإيرانية، بالقول: «في الواقع، كانت عملية إنقاذ الملاح الذي أُسقطت طائرته في الأجواء الإيرانية عمليةً رائعةً انتهت نهايةً سعيدةً ومبهجة. ولكن عندما تُسقط طائرة بنيران نظام دفاع جوي كان ترامب قد أعلن أنه قد دمّره نهائيًا، فليس هناك ما يدعو للاحتفال بأي نصر، خصوصاً النصر العظيم».
وأكدت بأن «الأمريكيين يفقدون طائراتهم في إيران بمعدل ينذر بالخطر». وأن «قدرة الإيرانيين على الرد، باستخدام نيران المدفعية المضادة للطائرات والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وإعادة تأهيل الأنظمة المتضررة، تُفنّد التقييمات المتفائلة للقيادات السياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل». مضيفة: «المشكلة لا تقتصر على الأمريكيين فحسب، بل تواجهنا يوميًا، جوًا وبرًا، في كل منطقة من مناطق إسرائيل».
وأوضحت الصحيفة الصهيونية بأن القادة السياسيين في أمريكا وفلسطين المحتلة «يُقدمون لناخبيهم أوهاماً، وخطابات جوفاء، فيما يتعلق بالحرب الدائرة مع لبنان ومحور المقاومة، وينجر القادة العسكريون معهم طوعاً أو قسرا».
وعكست «يديعوت أحرونوت» في تقريرها، اعترافاً صريحاً بأن التفوق العسكري لا يعني حسم الحرب. فالقوة النارية، مهما بلغت، تصطدم بواقع أكثر تعقيدا، حيث تتشابك العوامل العقائدية والسياسية والاجتماعية، ما يجعل إسقاط الأنظمة أو كسر إرادة الخصوم أمرا أبعد من مجرد عمليات جوية أو اغتيالات.
واستحضر التقرير دروس التاريخ ليؤكد هذه الحقيقة. فمن سورية عام 2012م إلى إيران حالياً، ومن غزة إلى لبنان، يتكرر الخطأ ذاته «التنبؤ بسقوط الأنظمة أو انهيار الحركات المقاومة، ثم الاصطدام بواقع معاكس». بل إن الفشل، كما تعترف الصحيفة، قد يتحول إلى مصدر قوة، يوحد الجبهة الداخلية ويُعيد إنتاج الشرعية السياسية، في مفارقة تقلب المنطق التقليدي للحروب رأسا على عقب.
الأخطر في هذا الطرح هو الإقرار بأن سياسة «قطع الرؤوس» التي طالما راهنت عليها «إسرائيل» وأمريكا، لا تُجدي نفعا. فاغتيال القادة «لا يؤدي إلى تفكيك البنية التنظيمية، وإنما غالباً ما يُنتج قيادات أكثر التزاماً».
وتؤكد الصحيفة العبرية أن «القضاء على القادة لا يضمن أي شيء. فإذا كان النظام القائم متجذرًا في المجتمع، ومتشابكًا بشبكة معقدة من المصالح والأيديولوجيات والروابط العائلية والمجتمعية والدينية، فسيجد سبيلًا لتعيين قادة بدلاء».
وتضيف: «يروي ترامب لنفسه قصةً عندما يدّعي أنه بعد القضاء على جيلين من القادة في إيران، بات يتعامل مع قيادة أكثر مرونةً وراحة. في الواقع، العملية معكوسة: فالقائد الذي أُقصي استُبدل به قائد أشد منه».
وحذّرت «يديعوت أحرونوت» من «أوهام تغيير الأنظمة» و»وعود النصر الزائفة»، موضحة بأن نتنياهو «لم يُنفذ وعده بتغيير النظام في إيران، كما لن تُنفذ وعود النصر في لبنان».
وأضافت: «بعد عملية سهام الشمال، ضد حزب الله في 2024م اقتنع السكان بأن مشكلة الصواريخ قد ولّت، ولم يتبقَّ سوى الصواريخ المضادة للدبابات، والتي ستختفي أثناء الاقتحام البري. ولن يجرؤ حزب الله، أو ما تبقى منه، على الرد. لكن اتضح أن مشكلة الصواريخ لم تُحل: فحزب الله يمتلك مخزونًا من الصواريخ وقاذفات الصواريخ، والأهم من ذلك، ما يكفي من الروح القتالية؛ لم يعد نظام الصواريخ المضادة للدبابات يُهدد المستوطنات، بل يقتل المقاتلين».
وتابعت «أخطأ المُقيّمون، وأخطأ السياسيون، وأخطأ المعلقون. وها هم يُخطئون مرة أخرى. ولدهشته، يُهدد وزير الدفاع مجددًا بتصفية القادة. والحقيقة أن هذا لا يُؤثر على قاذفات الصواريخ. بل يُؤثر على هدف كاتس الحقيقي، وهم ناخبو الانتخابات التمهيدية، فهم أكثر تأثراً بالتحذيرات»

صمود طهران واستحالة استسلامها
من جهتها نشرت صحيفة «معاريف» تقريراً أكدت فيه أن الرئيس الأمريكي ترامب يُطلق تهديدات وصفتها بـ«الكارثية» وفي ذات الوقت «يأمل أن تتراجع إيران»، وأن تنجح المفاوضات في إيجاد مخرج للمأزق الأمريكي من العدوان على الجمهورية الإسلامية.
وأوضحت الصحيفة بأن «التناقض الجوهري في السياسة الأمريكية يُبرز بوضوح. فمن جهة، يسعى ترامب إلى الظهور بمظهر الرئيس الذي يمتلك سلطة غير مسبوقة، والذي لا يمكن لأحد أن ينكر تردده تجاه إيران. ومن جهة أخرى يحاول استخدام إنذاره الأخيرة بالقضاء على إيران، كأداة للمساومة». غير أن هذه السياسة، وفقاً للصحيفة العبرية، لا تُجدي نفعاً مع الجمهورية الإسلامية في إيران.
وقالت: «تكمن المشكلة في أن أنظمةً كالنظام الإيراني لا تنهار دائمًا عند ارتفاع الثمن. بل إنها في كثير من الأحيان تزداد تشبثًا بموقفها، وتتشبث أكثر فأكثر، وتعتبر الضغط نفسه دليلًا على ضرورة عدم الاستسلام».
وأكدت أن كل عمليات القصف التي نفذتها أمريكا والكيان الصهيوني، ورغم الدمار الكبير الذي تعرضت له إيران، إلا أن ذلك «لم يُضعف القيادة الإيرانية»، وأن «من يبحث هنا عن مؤشرات استسلام وشيك، فإنه يُسيء فهم طهران».
وخلصت إلى أن «الهجمات على البنية التحتية قد تُسبب أضرارًا جسيمة، بل وربما كارثية، لكنها لا تضمن تغييرًا سياسيًا في طهران. فتغيير النظام ليس نتيجة حتمية للتفوق الجوي، ولا للشلل الاقتصادي. والتاريخ حافل بأمثلة لأنظمة تعرضت لأضرار بالغة، ومع ذلك صمدت. وفي الحالة الإيرانية، ثمة بُعد إضافي: فكلما امتدت الحملة لتشمل البنية التحتية المدنية، ازداد الخطر الإنساني، فضلًا عن التكلفة السياسية والقانونية المترتبة على هذه الخطوة. ومن المرجح أن يُثير هجوم مُتعمّد وواسع النطاق على محطات توليد الطاقة والجسور جدلًا حادًا في الساحة الدولية، لا سيما في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تصوير نفسها على أنها تتصرف بدافع الضرورة لا بدافع التدمير».