سام ليمان - صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» العبرية
ترجمة خاصة: إياد الشرفي / لا ميديا -
كلمة العقد في «إسرائيل» هي «الصمود» (بالعبرية: خوسين). وقد تجلى هذا الصمود بوضوح خلال جائحة «كوفيد 19» والجدل الدائر حول الإصلاح القضائي/ الثورة، وعدد من الحملات الحربية الخطيرة. توالت التحديات، لكن «الإسرائيليين» ربما صمدوا ببسالة. مع الأسف، لا يبدو أن الأمور قد انتهت بعد، بالنظر إلى عدم تحقيق نصر في الحرب مع إيران، واستمرار قصف حزب الله في الشمال (رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه الليلة الماضية لمدة عشرة أيام).
وهذا يثير تساؤلاً مهماً: هل يمكن أن يكون للصمود المفرط أثر عكسي؟ بعبارة أخرى، هل يمكن أن يكون للصمود نتائج عكسية في بعض الظروف؟ الإجابة، ربما ليس مفاجئاً، هي: نعم!
قبل عقدين من الزمن، درس عدد من علماء الاجتماع الجادين سمةً تُسمى «المثابرة»، والتي عرّفوها بأنها «الإصرار والشغف على تحقيق الأهداف طويلة الأجل». وبعد عقد من الزمن، تساءل باحثون آخرون عما إذا كان «الأفراد الأكثر مثابرةً قد يتكبدون بعض التكاليف جراء استمرارهم في العمل رغم إمكانية تغيير مسارهم». وخلصوا إلى أن «المثابرة» قد تكون ضارةً بالفعل إذا ما أُفرط فيها. كيف ذلك؟ كان الأشخاص ذوو المستويات العالية من المثابرة أكثر عرضةً لمواصلة العمل في مشاريع أو مهام من الواضح أنها غير قابلة للتحقيق. بعبارة أخرى، بدلاً من التوقف أو تجربة حلول بديلة، استمروا في المحاولة مرارًا وتكرارًا.
هل ثمة فرق بين المثابرة والمرونة؟ نعم، لكنهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة. «المثابرة» هي الرغبة في مواصلة السعي وراء الهدف الداخلي نفسه بالأدوات نفسها؛ و«المرونة» هي القدرة على الصمود أمام التحديات الخارجية. 
وفي كلتا الحالتين، ثمة حدٌّ مماثل لما يمكن للفرد (أو المجتمع) تحمّله. ولكن أين يكمن الحد الفاصل؟
توصلت العديد من الدراسات البحثية في علم النفس إلى نفس النتيجة العامة فيما يُعرف بـ«منحنى U»، فالأفراد الذين مروا في الماضي ببعض الصعوبات (الجزء الأيسر من المنحنى) يتمتعون بصحة نفسية أفضل على المدى الطويل من أولئك الذين لم يمروا بتجارب سلبية (الجزء السفلي من المنحنى)، أو على العكس، واجهوا الكثير من هذه التحديات الصعبة (الجزء الأيمن من المنحنى). وبما أن المجتمعات تتكون من أفراد، فإن الأمر نفسه ينطبق على الجماعات الكبيرة.
لا يُمكن إنكار أن «دولة إسرائيل»، على مدار 78 عامًا من وجودها، قد واجهت نصيبًا وافرًا من التحديات الصعبة. وهذه التحديات ليست خارجية فحسب -وإن كانت غالبًا وجودية- بل داخلية أيضًا، أي انقسامات اجتماعية كبيرة تُؤثر سلبًا على قدرة الفرد على الصمود. وهكذا، فبينما واجهت العديد من الدول في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين جائحة «كوفيد 19»، وواجه عدد أقل منها الحرب الإيرانية الأخيرة، لم يجمع الكثير منها -إن وُجد- بين هذين التحديين وخلافات داخلية حادة، مثل سياسة الإصلاح/ الثورة القضائية «الإسرائيلية» المثيرة للجدل، ثم تشريع الإعفاء من التجنيد (أو مناهضته) للحريديم.
من الواضح أن العديد من «الإسرائيليين» يواجهون صعوبات في الصمود. فعلى سبيل المثال، لم يعد العديد من سكان الجليل إلى منازلهم في شمال «إسرائيل»، ولا ينوون العودة حتى يتم تحييد حزب الله تمامًا، إما بالتدمير الكامل أو بالتوصل إلى اتفاق سياسي مع الحكومة اللبنانية.
ثم هناك رد الفعل الخارجي. فبحسب المكتب المركزي للإحصاء، هاجر أكثر من 69 ألف «إسرائيلي» في عام 2025، مسجلاً بذلك العام الثاني على التوالي من الهجرة القياسية، مع زيادة حادة في عام 2024 مقارنة بالسنوات السابقة. وكان أكثر من نصف هؤلاء المهاجرين في عام 2025 من مواليد «إسرائيل»، وكثير منهم عائلات شابة. في الوقت نفسه، لم يعد من الخارج سوى 19 ألف «إسرائيلي»، مما أدى إلى صافي هجرة سلبية كبيرة. في الواقع، منذ وصول الحكومة اليمينية الحالية إلى السلطة وبدئها الفوري تقريبًا في تطبيق برنامجها الإصلاحي/ الثوري القضائي مطلع عام 2023، هاجر أكثر من 200 ألف «إسرائيلي» إلى الخارج.
قبل عقود، نشر عالم الاجتماع البارز ألبرت هيرشمان كتابًا موجزًا لكنه بالغ التأثير بعنوان «الخروج، الصوت، والولاء». كان من الأنسب عكس ترتيب العنوان. يبدأ معظم المواطنين حياتهم مخلصين لبلدهم. وعندما يشعرون أن الأمور تسير في الاتجاه الخاطئ، يرفعون أصواتهم (بالاحتجاج، وما إلى ذلك). وعندما يشعرون أن جهودهم لا طائل منها، يتجه معظمهم إلى الخروج إما بمغادرة البلاد أو بالانعزال النفسي عن السياسة والانسحاب من المجتمع ككل.
لم يستخدم هيرشمان مصطلح «المرونة»، لكنها في الواقع جوهر تحليله. «الولاء» شكل من أشكال المرونة السلبية -قبول الوضع الراهن؛ أما «التعبير» فهو مرونة فعّالة- الإيمان بالتغيير والعمل بناءً على هذا الإيمان. لكن عندما تنهار المرونة، يصبح «الرحيل» هو الخيار العقلاني الوحيد، سواءً كان فعليًا أو معنويًا.
معظم «الإسرائيليين» اليوم يقعون في مكان ما على الجانب «الخاطئ» من منحنى التغيير. يمكنك تسميته ما شئت -تعبيرًا أو شبه خروج- لكن حالتهم النفسية تُفسر إلى حد كبير نتائج استطلاعات الرأي المتسقة على مدى العامين الماضيين: إنهم يريدون التصويت لإسقاط هذا الائتلاف الحاكم الذي ظل يُعرقل الناخبين لفترة طويلة جدًا. حتى بالنسبة لـ«الإسرائيليين» الأقوياء ذوي الخبرة، هناك حدود للمرونة السلبية.