تقرير / لا ميديا -
في صورة تختزل حجم المأساة، يظهر مئات المواطنين في مدينة عدن المحتلة مفترشين الأرصفة والطرقات ليلاً، هاربين من منازلهم التي غدت أشبه بأفران الخبز. يفترش العدنيون الأرض بحثاً عن نسمة هواء باردة تخفف عنهم جحيم الصيف العدني، في مشهد يختصر خيبة أمل عميقة بحكومة الفنادق، التي تجاهلت معاناة الناس، رغم إدراكها أن عدن مدينة يلفها البحر برطوبته الخانقة، وأن تركها بلا كهرباء هو وصمة عار.
تعيش مدينة عدن المحتلة فصلاً مأساوياً جديداً من أزمتها الخدمية، إذ تحولت الأرصفة إلى غرف نوم، والمستشفيات إلى ساحات موت، فيما يواصل الأهالي اعتصامهم المفتوح مطالبين بوضع حد لمعاناتهم المستمرة. الأزمة لم تعد ظرفية، بل أصبحت كارثة هيكلية تهدد بانفجار شعبي واسع يمتد إلى بقية المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة.
وفي ظل الانقطاع المتواصل للكهرباء وجد أهالي عدن أنفسهم مجبرين على افتراش شوارع المدينة هرباً من جحيم المنازل التي تحولت إلى أفران خانقة، معلنين اعتصام غضب مفتوحاً ضد حكومة الفنادق وقوات الاحتلال السعودي، في مشهد يعكس حجم الانهيار الخدمي والمعيشي الذي يهدد حياة السكان.
وتفاقمت معاناة سكان عدن مع انهيار غير مسبوق في خدمة الكهرباء خلال فصل الصيف، إذ تجاوزت ساعات الانقطاع 17 ساعة يومياً، وسط مستويات قياسية خانقة من ارتفاع درجة الحرارة ونسبة الرطوبة، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الأنشطة التجارية، وتهديد مباشر لحياة الأطفال وكبار السن والمرضى، حتى وصف الأهالي ما يحدث بأنه موت بطيء.
وسجلت المستشفيات حالات وفاة وإغماء متكررة بين كبار السن والمرضى، كان آخرها وفاة رجل مسن يُعرف بين الأهالي بـ"بائع البالونات" في مديرية صيرة، بعد تعرضه لوعكة صحية بسبب ارتفاع الحرارة وانقطاع الكهرباء.
هذه الحوادث المؤلمة تعكس خطورة الأزمة التي تضرب المرافق الصحية والمياه، وتضاعف معاناة المواطنين يومياً.
في السياق، اندلعت احتجاجات واسعة في مديريات المنصورة وكريتر والمعلا والبريقة، حيث أغلق المحتجون الشوارع الرئيسية وأشعلوا الإطارات، فيما ابتكر آخرون أسلوباً جديداً بافتراش الطرقات مصطحبين أطفالهم وفرش النوم، معلنين المبيت في العراء حتى تتم الاستجابة لمطالبهم.
وتصاعدت الدعوات الشعبية للزحف نحو قصر معاشيق، مقر حكومة الفنادق ومجلسها الرئاسي، لإيصال رفضهم للوعود الكاذبة التي لم تثمر حلولاً منذ عقد كامل.
وحمّل المحتجون حكومة الفنادق وقوات الاحتلال السعودي المسؤولية الكاملة عن تدهور قطاع الكهرباء، بعد عجزها عن توفير الوقود لمحطات التوليد أو تأمين وصول ناقلات النفط الخام من شبوة وحضرموت.
وتتهم الأوساط السياسية والحقوقية ما تسمى "اللجنة السعودية الخاصة" بإدارة الأزمة بأنها أداة للعقاب الجماعي وسياسة التجويع الممنهج، فيما يرى ناشطون أن الأزمة ليست تقنية بقدر ما هي أزمة إدارة وضمير، وإمعان من قبل الاحتلال ومرتزقته في تعذيب سكان المدينة.
وتزامنت الأزمة مع خلافات حادة بين مندوب الاحتلال السعودي فلاح الشهراني، ومحافظ عدن المرتزق عبد الرحمن شيخ، وصلت إلى حد الطرد من المكتب وتبادل الاتهامات بالفشل، ما كشف أكثر حالة الفوضى الأمنية وانهيار الخدمات وتردي الأوضاع في المدينة المحتلة.
امتداد الغضب إلى حضرموت
لم يتوقف الغضب الشعبي عند حدود عدن، بل امتد ليشمل محافظة حضرموت المحتلة، فقد شهدت مدينة المكلا احتجاجات غاضبة على تدهور الخدمات وانقطاع الكهرباء، أقدم فيها المواطنون على قطع خطوط السير الرئيسية في عدد من المناطق.
وندد المتظاهرون بتدهور خدمة الكهرباء وانقطاع التيار لفترات طويلة، ما فاقم معاناتهم وسط ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، محملين قوات الاحتلال وحكومة الفنادق مسؤولية تدهور الخدمات وانقطاع الكهرباء في ظل الصيف الخانق الذي يحول حياة المواطنين إلى جحيم.
وفي مدينة تريم، أعلنت تنسيقية "ثوار تريم الأحرار" بدء جولة جديدة من التصعيد، رافضةً مرحلة "الموت السريري" التي يعيشها المواطنون.
وشدد بيان صادر عن التنسيقية على ضرورة تراجع حكومة الفنادق عن الجرعة السعرية الأخيرة في المشتقات النفطية والإجراءات الجمركية، وتوفير الوقود والغاز بشكل عاجل، إلى جانب وضع حل جذري لأزمة الكهرباء وضبط الأسعار بما يتناسب مع سعر الصرف الجديد.
وحمّل البيان سلطات الارتزاق وحكومة الفنادق المسؤولية الكاملة في حال تجاهل المطالب، ومحاولة قمع الاحتجاجات، مؤكداً أن جميع الخيارات تظل مطروحة إذا استمر التدهور.
وبحسب المواطنين في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة، لم يعد الصمت خياراً أمام موت بطيء يطرق أبوابهم كل يوم، بل حولوا الأرصفة إلى ساحات اعتصام، والطرقات إلى تظاهرات احتجاجية، مؤكدين أن معركتهم أصبحت معركة وجود في وجه الاحتلال وسياساته التي تدفع المدن نحو الانهيار الكامل، من عدن إلى حضرموت.










المصدر لا ميديا