دمشق - خاص / لا ميديا -
حفلت الأيام القليلة الماضية بعدة حملات طائفية شرسة ومتوالية، يقف وراءها شخصيات ووسائل إعلام وذباب إلكتروني، من المحسوبين على السلطة الجديدة في دمشق.
اللافت أن هذه الحملة تتم على شكل سلسلة متوالية، تبدأ كل حلقة فيها فور استنفاد التجييش الذي أحدثثه الحلقة السابقة، من إثارة للرأي العام ونقاشات وبلبلة في الشارع السوري.
بدأت السلسلة مع اختطاف الطالبة الجامعية بتول علوش، من منطقة جبلة في الساحل السوري، بعد خروجها من الجامعة، لتظهر بعد أيام قليلة وهي ترتدي النقاب الغريب عن مجتمع الساحل، وتقول إنها «أسلمت وهاجرت إلى الله»، ليتبين أنها مخطوفة ومحتجزة في مقر «دار الأخوات» (المخصص للسبايا) الذي يشرف عليه «رامي الذهبي»، مسؤول الأمن في جبلة، ويتبين أيضاً أن مدير السكن الجامعي، حيث كانت تقيم بتول، وإدارة الأمن العام، متورطون في عملية الاختطاف.
تلتها قصة العسكري السابق أمجد اليوسف، المتهم بارتكاب مجزرة التضامن، في ضواحي دمشق، خلال الأحداث السورية في العام 2013، والتي ذهب ضحيتها 21 شخصاً، ليتبين فيما بعد أنه تمت محاكمته من قبل نظام الرئيس بشار الأسد، وكان مسجوناً في سجن صيدنايا، وخرج من السجن مع سقوط النظام السابق، وأنه لم يكن وحيداً في ارتكاب المجزرة، وإنما كانت معه مجموعة من انتماءات طائفية عديدة، لكن لم تتم ملاحقة سوى أمجد.
تلا ذلك محاكمة عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا، عند تفجر الأحداث في العام 2011، والمتهم بقصة أطفال درعا، وما قيل عن تقليع أظافرهم، وشتم عوائلهم، والتي تم تجييش إعلامي غير مسبوق لها، عبر أكثر من ألف قناة ووسيلة إعلام عربية وعالمية، باعتباره ابن خالة الرئيس السابق بشار الأسد، ولتكون الشرارة التي بدأت بها الأحداث في سورية.
لكن محاكمة نجيب أظهرت رواية غير التي تم التجييش لها، وأهمها كذبة تقليع أظافر الأطفال، ونفاها أحد الأطفال الذين كانوا معتقلين، وأصبح الآن شاباً، وأن هؤلاء الأطفال كانوا معتقلين لدى جهة أمنية أخرى، وتمت تسوية أوضاعهم، كما نفى الشيخ عمر الصياصنة، الذي قاد الحراك المسلح في درعا، تورط عاطف نجيب بقصة اعتقال الأطفال، وأكد في شهادته أن المعتقلين لم يكونوا لديه، وأنه ساعده في السؤال عنهم. أما المعلومة التي لم يكن يعلمها معظم المؤيدين للسلطة أن عاطف نجيب ينتمي إلى الطائفة السنية، وليس العلوية.
أما الحلقة التالية من هذا المسلسل فكانت استحضار قصة الطبيبة رانيا العباسي، التي قيل بأنها قُتلت في سجون السلطة السابقة مع أطفالها بتهمة أنها كانت تساعد المجموعات المسلحة، ليتبين فيما بعد أن إحدى بناتها ظهرت في إسبانيا، وأن أطفالها الآخرين موجودون في دول أوروبية، وأن أخاها -الذي تم الترويج لشهادة منه- تراجع عن الكثير من أقواله، كما ظهر أحد النشطاء، وهو يتحدى أخا العباسي الظهور على وسائل الإعلام لقول الحقيقة كما هي.
حملة التجييش هذه بلغت ذروتها عبر حملة منظمة كان واضحاً أن وراءها جهات منظمة وخبيرة، تحت عنوان «أنا لست شجرة» وتدعو إلى مقاطعة العلويين اجتماعياً واقتصادياً، وعدم السلام عليهم، أو الشراء منهم والبيع لهم، وعدم الزواج منهم أو تزويجهم.
ومع هذه الحملة، كان لافتاً أن معظم شرائح المجتمع السوري، ومن كافة مكوناته ونخبه، وقفت ضد هذا التجييش الطائفي، وانبرت التجمعات السياسية والاجتماعية والمجتمع المدني لإصدار بيانات استنكار وإدانة لهذه الحملة، وكانت النخب من الطائفية السنية بين الأكثر رفضاً واستنكاراً لها، وأطلقوا شعاراً مضاداً هو «أنت لست شجرة.. أنت حشرة». لكن المفاجأة الأكبر كانت خروج تظاهرة كبيرة في مدينة إدلب، التي كانت معقل الجولاني قبل سقوط نظام الرئيس الأسد، للتنديد بالحملة.
أما الطريف في الأمر فكان رد فعل المجتمع من المكون العلوي، والذي قابل الحملة بحملة مضادة من السخرية والضحك، ومطالبة مؤيدي السلطة بتنفيذ مقاطعتهم، وتم توزيع مقطع من أحد الأفلام يظهر أن هذه الحملة هي امتداد للحملة التي قام بها مشركو قريش عند مقاطعتهم الرسول الكريم (ص) في بداية الدعوة النبوية، مع شروحات تقول: «لا يزعجنا مقارنتنا بالرسول الكريم وتشبيه أنفسكم بالكفار».
كما ترافقت هذه الحملة مع حملة موازية أفرغ فيها السوريون كل ما يتمتعون به من روح النكتة والدعابة، والمقاطع الساخرة، من الدعوة ومطلقيها.
وقد يكون من المصادفات الجيدة أن هذه الحملة الأخيرة تزامنت مع حلول عيد الغدير وخطبة الوداع، يوم بايع الرسول (ص) الإمام علي بالولاية، حيث لوحظ وجود حملة غير مسبوقة في تاريخ المجتمع السوري لتبادل التهاني وتهنئة الطائفة العلوية بالمناسبة.
هذه الحملات أثارت الكثير من التساؤلات، عن أسبابها وتوقيتها، ليتأكد أنها استهدفت شد العصب الطائفي والجمهور المؤيد للسلطة، بعد زيادة جمهور المتضررين والناقمين على السلطة، وتحديداً من الطائفة السنية، وخاصة في دمشق وحلب، وبعد سلسلة من الأزمات السياسية والاجتماعية والمعيشية، التي باتت تعصف بالمجتمع السوري، بدءاً من أسعار الكهرباء، التي زادت أكثر من مئة ضعف، وارتفاع أسعار الوقود والغاز والخبز والمواصلات والمواد الاستهلاكية، والتي باتت فوق قدرة معظم شرائح المجتمع السوري.
كما هدفت إلى التغطية على أزمات سياسية، منها الاتفاق مع تركيا حول منطقة شمال اللاذقية، والتي ذكرت السوريين بسلخ لواء اسكندرون وضمه إلى تركيا، ولتغطية مشكلة طوفان نهر الفرات، بسبب الأمطار، وفتح تركيا مخارج المياه من سد أتاتورك وعدد من السدود، والتي أدت إلى حدوث طوفانات، وغرق أراضٍ وبيوت في سورية، كما تم الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاقات أمنية مع الكيان الصهيوني.
وعلى مبدأ «عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم» فقط، جاءت هذه الحملات لتشد أزر المجتمع السوري، بكافة مكوناته، ضد حملات التجييش الطائفي وثقافة الكراهية والتكفير الممنهجة، ولتؤكد أن معظم مكونات هذا المجتمع لديها مناعة، وأصبحت أقوى، ضد هذه الأفكار.
كما أضرت هذه الحملات بسمعة السلطة في الخارج، وفي المؤسسات الأممية والدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، خاصة وأنها لاتزال تحت الرقابة، والمهلة التي أعطيت لها لتنفيذ عدد من المطالب، مقابل تعويمها، وأهم هذه المطالب حماية الأقليات.