تقرير / لا ميديا -
تواصلت، أمس، الأصداء في الإعلام الغربي والأمريكي، إثر إعلان القوات المسلحة اليمنية، أمس الأول، إعادة الحظر على الملاحة «الإسرائيلية» في البحر الأحمر، حيث تحول هذا الإعلان إلى محور نقاش واسع حول التداعيات الاستراتيجية والاقتصادية التي قد تنجم عن دخول صنعاء مجدداً إلى قلب المواجهة الإقليمية مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة.
وأجمعت تحليلات وتقارير أمريكية على أن التهديد اليمني يعيد إلى الواجهة أحد أخطر عناصر القوة التي برزت خلال معركة إسناد غزة، حين تمكنت القوات المسلحة اليمنية من فرض معادلة جديدة في البحر الأحمر، دفعت شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها وأدخلت الاقتصاد العالمي في حالة من الاضطراب غير المسبوق.

أوراق استراتيجية
في هذا السياق، نشرت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» الأمريكية تحليلاً مطولاً أكدت فيه أن صنعاء احتفظت طوال الأشهر الماضية بأقوى أوراقها الاستراتيجية، والمتمثلة في القدرة على تعطيل الملاحة التجارية عبر مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي التحليل الذي بعنوان «كيف يمكن لتهديد الحوثيين الوشيك أن يغير مسار الحرب مع إيران»، رأت الصحيفة أن صنعاء ظلت على هامش نسبي من الحرب التي شنتها أمريكا و»إسرائيل» على إيران أواخر شباط/ فبراير الماضي، لكنها لم تتخل عن قدرتها على التدخل متى ما رأت أن الظروف تستدعي ذلك، مشيرة إلى أن تهديد السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني يمثل مؤشراً خطيراً على إمكانية انتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة أكثر تأثيراً على الاقتصاد العالمي.
وقالت إن «ما حدث، أمس الأول (الاثنين)، خير مثال على ذلك، فاستجابة للتصعيد بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، واستئناف تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، أطلق الحوثيون صواريخ على إسرائيل وهددوا باستهداف سفن مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر».
وبحسب التحليل الأمريكي، فإن باب المندب يمثل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من حركة الشحن العالمية، كما يشكل ممراً أساسياً لتجارة النفط والطاقة. ولذلك فإن أي تعطيل لحركة الملاحة فيه، بالتزامن مع التوترات التي تشهدها منطقة الخليج ومضيق هرمز نتيجة العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، سيضاعف من حجم الضغوط على الأسواق العالمية.
وأشارت الصحيفة إلى أن تجربة البحر الأحمر خلال حرب غزة ما تزال حاضرة بقوة في أذهان صناع القرار في واشنطن. فالقوات المسلحة اليمنية شنت حينها مئات العمليات ضد السفن المرتبطة بـ»إسرائ يل» أو المتجهة إليها، الأمر الذي دفع كبريات شركات الملاحة الدولية إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما تسبب في ارتفاع تكاليف النقل والشحن وأسعار السلع عالمياً.
وأكد التقرير أن الضربات الأمريكية و»الإسرائيلية» التي استهدفت اليمن خلال عامي 2024 و2025 لم تنجح في القضاء على القدرات العسكرية لصنعاء أو تفكيك بنيتها القيادية، وعلى العكس من ذلك لا تزال صنعاء تحتفظ بقدراتها وبسلاحها الأقوى «باب المندب» وبإمكانية استئناف عملياتها ضد الكيان الصهيوني وأمريكا وحلفائهم متى ما قررت ذلك.
وحذّر التحليل الأمريكي من أن استمرار التصعيد «الإسرائيلي» في لبنان، أو عودة المواجهة مع إيران، أو انخراط أطراف إضافية في الحرب، قد يدفع اليمن إلى تفعيل ما وصفه التقرير بـ»الورقة الرابحة»، والمقصود بها إعادة إغلاق باب المندب.
ورأت «لوس أنجلوس تايمز» أن أي قرار من هذا النوع سيخلق أزمة اقتصادية عالمية واسعة النطاق، خصوصاً في ظل هشاشة الاقتصاد الدولي الحالية، وسيزيد الضغوط على الإدارة الأمريكية التي تواجه أصلاً تحديات متزايدة نتيجة الحرب وتداعياتها.

الرسالة الأخطر
في الاتجاه ذاته، سلطت مجلة «مودرن دبلوماسي» الأمريكية الضوء على المخاطر المتنامية التي يحملها التهديد اليمني الجديد، معتبرة أن تأثيره على أسواق النفط والطاقة قد يكون هذه المرة أكثر خطورة مما كان عليه خلال معركة إسناد غزة.
وأشارت المجلة إلى أن التطورات الأخيرة تأتي بعد أشهر من الاضطرابات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية نتيجة التوترات في الخليج، مؤكدة أن أي مواجهة جديدة في البحر الأحمر ستضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات إضافية تتعلق بتدفق النفط والبضائع وسلاسل الإمداد الدولية.
وذكّرت المجلة بأن العمليات اليمنية خلال معركة إسناد غزة نجحت في ردع عدد كبير من شركات الملاحة الدولية عن استخدام الطريق البحري عبر البحر الأحمر، وأجبرتها على البحث عن مسارات بديلة أكثر كلفة وأطول زمناً.
وحذّرت من أن التهديد الحالي قد يتطور ولا يقتصر على السفن «الإسرائيلية» فقط، بل إن أي توسع في دائرة المواجهة قد يؤدي إلى إغلاق فعلي لأحد أهم الممرات البحرية العالمية، الأمر الذي ستكون له انعكاسات مباشرة على أسعار النفط والتجارة الدولية.
وتكشف القراءة العامة لما نشرته وسائل الإعلام الأمريكية أن واشنطن تنظر بجدية بالغة إلى التطورات الجارية، وأنها تدرك أن دخول اليمن مجدداً إلى ساحة المواجهة قد يبدل كثيراً من الحسابات العسكرية والسياسية المتعلقة بالحرب على إيران ولبنان.
فبعدما أثبتت صنعاء خلال معركة إسناد غزة قدرتها على تحويل البحر الأحمر إلى جبهة ضغط استراتيجية ضد الاحتلال وحلفائه، يعود اسم باب المندب اليوم ليتصدر النقاشات الأمريكية باعتباره أحد أكثر العوامل القادرة على التأثير في مسار الحرب ونتائجها.
ولهذا فإن الرسالة اليمنية الأخيرة، من منظور الإعلام الأمريكي نفسه، تتجاوز الإعلان العسكري إلى التذكير بأن إحدى أهم أوراق القوة في المنطقة ما تزال بيد صنعاء، وأن أي تصعيد إضافي قد يدفع هذه الورقة إلى الواجهة مجدداً، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية واقتصادية تتجاوز حدود المنطقة لتطال العالم بأسره.