عادل بشر / لا ميديا -
تشهد محافظة الحديدة، ومعها المديريات الساحلية التابعة لها، موجة حر شديدة مع بدايات فصل الصيف، في وقت تتفاقم فيه أزمة الكهرباء الحكومية بسبب الانقطاعات المتكررة، فيما تتحول الكهرباء التجارية إلى عبء مالي ثقيل على المواطنين الذين يواجهون ظروفاً معيشية صعبة وانعداماً شبه كامل للقدرة الشرائية.
ومع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة المعروفة في تهامة، أصبحت الكهرباء بالنسبة لسكان الحديدة ضرورة حياتية تمس صحة الأطفال والمرضى وكبار السن، خصوصاً في المناطق التي تصل فيها درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة تجعل المنازل أشبه بالأفران المفتوحة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصة واسعة للتعبير عن السخط الشعبي، حيث امتلأت الصفحات والمنشورات بمناشدات واستغاثات وشكاوى من تدهور خدمة الكهرباء وتزايد ساعات الانقطاع، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي يعيشها المواطنون مع بداية الصيف فقط، وسط مخاوف من أن تصبح الأوضاع أكثر قسوة خلال الأشهر المقبلة.

"تنور" مفتوح على معاناة لا تنتهي
يصف أبناء الحديدة مدينتهم خلال الصيف بأنها تتحول إلى "تنور" كبير بفعل الحرارة المرتفعة والرطوبة الخانقة، وهي أوصاف تكررت في عشرات المنشورات ومقاطع الفيديو التي رصدتها "لا" وتُبين مستوى المعاناة التي يعيشها السكان، والتي تتكرر سنوياً دون وضع حلول جذرية لهذه المأساة.
وبحسب عدد من المواطنين فإن الحرارة تجاوزت كونها ظاهرة مناخية موسمية، وتحولت إلى عامل يومي يهدد الصحة والحياة في ظل غياب الكهرباء لساعات طوال. ويرى كثيرون أن المعاناة تزداد بشكل خاص داخل الأحياء السكنية الفقيرة والمديريات البعيدة التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات أو انعدامها.
وفي واحدة من أكثر الشهادات تعبيراً عن الواقع، وصف ناشطون الحديدة بأنها مدينة ينتظر سكانها عودة التيار الكهربائي كما ينتظر الظمآن قطرة ماء في صحراء قاحلة، مؤكدين أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر تضرراً من الانقطاعات المستمرة.
كما برزت شكاوى من مواطنين في مديريات مثل بيت الفقيه والمراوعة وباجل، وأحياء متعددة داخل مدينة الحديدة، تحدثوا فيها عن ساعات انقطاع طويلة، وضعف التيار الكهربائي، وتعرض الأجهزة المنزلية للأعطال نتيجة التذبذب المستمر في الخدمة.

الكهرباء التجارية.. نار على نار
لا تقتصر معاناة المواطنين على الانقطاعات المتكررة للكهرباء الحكومية، وإنما تمتد إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الكهرباء التجارية التي أصبحت الخيار الوحيد أمام الكثير من الأسر للتخفيف من جحيم الصيف.
ويؤكد مواطنون أن فواتير الكهرباء تستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسر المحدود، في وقت يعاني فيه كثير من السكان من انقطاع الرواتب أو ضعف مصادر الدخل.
وبحسب السُكان فإن سعر الكيلووات من الكهرباء الحكومية هو مائة ريال، ولكن التيار غير مستقر وتصل الانقطاعات في بعض الأيام إلى أكثر من عشر ساعات متواصلة، بينما سعر الكيلووات التجاري 260 ريالاً، في تسعيرة هي الأغلى عالمياً، وفقاً لمختصين في مجال الكهرباء.
وتحدثت منشورات عديدة عن مبالغ مالية مرتفعة يدفعها المواطنون مقابل خدمة يصفونها بأنها غير مستقرة، إذ تتكرر الانقطاعات حتى في الكهرباء التجارية، فيما ترتفع الفواتير بصورة مستمرة.
ويرى مواطنون أن المفارقة تكمن في أن الكهرباء الحكومية، التي يفترض أن تكون أقل تكلفة وأكثر استقراراً، أصبحت في كثير من الأحيان الأكثر عرضة للانقطاع، الأمر الذي يضاعف شعور السكان بالاستياء.
كما أشار ناشطون إلى وجود تفاوت في ساعات التشغيل بين بعض المناطق السكنية والشوارع التجارية، معتبرين أن الأولوية يجب أن تكون لتخفيف معاناة المواطنين داخل الأحياء السكنية، خاصة خلال فترات الذروة الحرارية.

معاناة تتجاوز المنازل إلى السجون والمرافق العامة
الأزمة لم تعد مقتصرة على البيوت والأحياء السكنية، وإنما امتدت، بحسب شهادات متعددة، إلى السجون وبعض المرافق العامة.
فقد تحدث رئيس لجنة معالجة قضايا السجون والسجناء الشيخ علي ناصر قرشة عن أوضاع وصفها بالإنسانية الصعبة داخل عدد من السجون الواقعة في الحديدة، مشيراً إلى شدة الحرارة ونقص وسائل التهوية والتبريد.
كما ناشد الجهات المختصة التدخل لمعالجة أوضاع السجناء، مؤكداً أن درجات الحرارة المرتفعة تشكل خطراً حقيقياً على المحتجزين، خصوصاً في ظل محدودية الإمكانات والخدمات.
وفي السياق ذاته، برزت مناشدات من مواطنين وقضاة وناشطين تحدثوا عن تأثير الانقطاعات الكهربائية على المرضى والأطفال وكبار السن، معتبرين أن استمرار الأزمة خلال أشهر الصيف يحولها من مشكلة خدمية إلى قضية إنسانية واسعة النطاق.
في المقابل، تؤكد المؤسسة العامة للكهرباء في الحديدة أنها تبذل جهوداً لتحسين مستوى الخدمة ومعالجة الانقطاعات، غير أن المواطنين يرون أن هذه الوعود تتكرر مع بداية كل صيف دون أن تنعكس بصورة ملموسة على حياتهم اليومية، وهو ما يفسر تصاعد حالة الغضب الشعبي وتزايد الانتقادات الموجهة للجهات المعنية.

لمسؤولي صنعاء: انزلوا إلى الحديدة صيفاً لا شتاءً
وسط هذا الواقع الصعب، برزت خلال الأسابيع الماضية دعوات لافتة تطالب مسؤولي حكومة صنعاء بالنزول إلى محافظة الحديدة خلال فصل الصيف وممارسة أعمالهم من هناك بشكل مباشر.
وتستند هذه الدعوات إلى ملاحظة يكررها أبناء المحافظة منذ سنوات، مفادها أن كثيراً من الزيارات الرسمية للحديدة تتم خلال فصل الشتاء عندما تكون الأجواء معتدلة ودافئة مقارنة بصنعاء والمحافظات الجبلية الباردة.
ويرى أصحاب هذه الدعوات أن المسؤولين بحاجة إلى معايشة الظروف الحقيقية التي يعيشها المواطنون خلال أشهر الصيف، من أجل إدراك حجم المعاناة الناتجة عن الحرارة المرتفعة والانقطاعات الكهربائية المتكررة.
وكان رئيس لجنة معالجة قضايا السجون والسجناء الشيخ علي ناصر قرشة من أبرز الشخصيات التي تبنت هذا الطرح، حيث دعا بشكل مباشر إلى أن يداوم وزير الكهرباء في الحديدة، معتبراً أن وجوده الميداني كفيل بإعطاء الملف أولوية أكبر.
كما انتقد ما وصفه بالنزول الموسمي لبعض الجهات الرسمية إلى الحديدة خلال فصل الشتاء فقط، متسائلاً عن غياب تلك الزيارات خلال أشهر الحر الشديد التي يحتاج فيها المواطنون إلى اهتمام أكبر ومتابعة ميدانية مستمرة.
ومن أكثر المنشورات تداولاً تلك التي كتبها الإعلامي محمد معوضة، مراسل قناة المسيرة في محافظة الحديدة، موجهاً رسالة إلى رئيس المجلس السياسي الأعلى المشير مهدي المشاط.
وطالب معوضة بتوجيه "لجان الشتاء" التي اعتادت زيارة الحديدة في أشهر تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر وكانون الثاني/ يناير إلى النزول هذه الأيام لتفقد أحوال المواطنين وساعات تشغيل الكهرباء ومستوى الأسعار.
وجاءت الرسالة بأسلوب حمل في طياته انتقاداً واضحاً لغياب المسؤولين عن المحافظة خلال أشد فترات العام قسوة، مؤكداً أن المطلوب ليس أكثر من أن يعيش المسؤولون الظروف نفسها التي يعيشها المواطن العادي، وأن يستخدموا الخدمة الكهربائية المتاحة للأهالي ويقيموا وسط الأحياء السكنية لا في أماكن معزولة عن واقع الناس.
وتعكس هذه المطالبات تحولاً في طبيعة الخطاب الشعبي من مجرد الشكوى من ضعف الخدمات إلى الدعوة لربط المسؤولية بالميدان، بحيث يتحمل المسؤولون بصورة مباشرة آثار القرارات والإجراءات المتعلقة بالخدمات العامة.
ويرى ناشطون أن إلزام الوزراء وكبار مسؤولي الحكومة المرتبطة وضيفتهم بخدمات المواطنين، بممارسة أعمالهم من مكاتب عامة في الحديدة والسكن مع أسرهم في الأحياء الفقيرة، وليس في فنادق خمس نجوم، خلال الصيف سيمنحهم صورة أكثر واقعية عن احتياجات السكان، وسيدفع نحو اتخاذ قرارات أسرع لمعالجة الاختلالات المتكررة في قطاع الكهرباء.

صيف طويل ينتظر الحديدة
ومع استمرار موجة الحر وبدء دخول أشهر الصيف الأكثر سخونة، تبدو محافظة الحديدة أمام تحدٍ كبير يتعلق بقدرة الجهات المختصة على تحسين خدمة الكهرباء وتخفيف معاناة السكان.
فالرسائل الصادرة من الشارع التهامي خلال الأسابيع الماضية تحمل مؤشرات واضحة على حجم الاستياء، كما تعكس مطالب أساسية تتمثل في توفير كهرباء مستقرة، وتخفيض الأعباء المالية على المواطنين، وإيجاد حلول دائمة للأزمة التي تتكرر كل عام.
وفي الوقت الذي تواصل فيه المؤسسة العامة للكهرباء الحديث عن خطط وجهود لتحسين الخدمة، يصر المواطنون على أن المعيار الحقيقي لأي نجاح سيكون عدد ساعات التشغيل الفعلية لا سيما خلال أشهر الصيف، ومدى قدرة الأسر على مواجهة الحرارة الخانقة دون أن تتحول الكهرباء إلى أزمة يومية جديدة تضاف إلى قائمة طويلة من المعاناة.
وبين حرارة الطقس المرتفعة، ومعاناة المواطنين المتصاعدة، تبقى الحديدة اليوم في انتظار حلول ملموسة تخرج ملف الكهرباء من دائرة الوعود الموسمية إلى واقع يلمسه المواطن في منزله وشارعه وحياته اليومية.