عـادل بشر / لا ميديا -
كشفت تقارير أمريكية حجم الإخفاق الذي مُنيت به الولايات المتحدة في العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، مؤكدة أن ما جرى تسويقه باعتباره "انتصاراً تاريخياً" لم يكن في الحقيقة سوى محاولة للهروب من مأزق عسكري وسياسي مكلف، انتهى ببقاء إيران صامدة، وفشل واشنطن في تحقيق أهدافها المعلنة.
من أبرز تلك التقارير ما نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، أمس، في افتتاحيتها، إلى جانب تحليلات ومقالات رأي، بدا فيها المشهد مختلفاً تماماً عن الرواية التي يحاول البيت الأبيض ترويجها وفرضها بعد توقيع مذكرة التفاهم مع طهران؛ إذ وصفت الصحيفة الاتفاق بأنه نتاج حرب لم تحقق منها واشنطن أياً من أهدافها المعلنة بداية العدوان، وفوق ذلك دفعت الولايات المتحدة أثماناً باهظة على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية.
ولم تتردد الصحيفة في السخرية من الرئيس الأمريكي، مؤكدةً أن ترامب "يستحق الاستهزاء والانتقادات اللاذعة"، بسبب محاولته تصوير انسحابه من الحرب على أنه انتصار. وأكدت أن ترامب هو من أشعل المواجهة أساساً، قائلةً بوضوح إن "ترامب أشعل هذه الحرب بتهور، لكنه أحسن صنعاً بإنهائها الآن قبل أن تلحق المزيد من الضرر".
ويمثل هذا التوصيف اعترافاً من داخل المؤسسة الإعلامية الأمريكية بأن الحرب لم تحقق ما وعد به البيت الأبيض عند إشعالها، وأن الرئيس الأمريكي وجد نفسه مضطراً للبحث عن مخرج بعدما اصطدم بواقع مختلف تماماً عما خطط له.

قائمة أمنيات
وتكشف الصحيفة أن الاتفاق الذي يقدمه ترامب باعتباره إنجازاً دبلوماسياً لا يعدو كونه "قائمة أمنيات" أكثر من كونه اتفاقاً حقيقياً، إذ ترك معظم القضايا الجوهرية معلقة للمفاوضات المقبلة، بما في ذلك ملف تخصيب اليورانيوم، والبرنامج الصاروخي الإيراني، الذي تقول طهران إنه ليس محل تفاوض أو نقاش.
ونقلت الصحيفة عن جيفري سميث، المستشار القانوني السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، قوله إن مذكرة التفاهم الحالية هي "أسوأ وثيقة صيغت في عالم السياسة الخارجية (الأمريكية)" خلال أكثر من خمسة عقود من العمل والخبرة.
وبحسب التقرير، فإن ترامب تراجع عملياً عن عدد من الشعارات التي رفعها قبل الحرب. فبعد أن تعهد بمنع إيران من امتلاك أي قدرة نووية، انتهى الأمر إلى تأجيل معظم الملفات الحساسة إلى جولات تفاوض لاحقة. كما لم يتضمن الاتفاق إغلاق المواقع النووية الإيرانية أو تفكيك البنية التحتية للبرنامج النووي.
وترى الصحيفة أن المشكلة الأعمق تكمن في فقدان واشنطن أوراق الضغط الحقيقية على طهران، إذ لم يعد لدى الولايات المتحدة سوى التهديد بالعودة إلى الحرب، وهو تهديد تشكك الصحيفة نفسها في مصداقيته بعد أربعة أشهر من القتال الذي لم يحقق أي نتائج أمريكية.
وأكدت "واشنطن بوست" أن القيادة الإيرانية باتت تدرك حدود القوة الأمريكية، وأنها أصبحت أكثر فهماً لنقطة ضعف ترامب الأساسية، وهي خشيته من التداعيات الاقتصادية والسياسية لأي مواجهة طويلة قد تنعكس على الأسواق الأمريكية وعلى الانتخابات النصفية المقبلة.

أثمان باهظة
الضربة الأقسى للرواية الأمريكية جاءت في افتتاحية "واشنطن بوست"، التي طرحت سؤالاً مباشراً حول حصيلة الحرب بعد انتهائها: ماذا حققت الولايات المتحدة فعلياً؟!
وجاء جواب الصحيفة صادماً بالنسبة للمجتمع الأمريكي والغربي؛ فالنظام الإيراني، الذي كانت واشنطن و"تل أبيب" تراهنان على إضعافه أو إسقاطه، خرج من الحرب باقياً. كما أن البنية العسكرية الإيرانية، رغم الأضرار التي لحقت بها، لم تُدمر كما وعد ترامب، وعلى العكس من ذلك أثبتت طهران قوتها وقدراتها العسكرية الكبيرة.
وقالت الصحيفة إن "النظام الإيراني نجا من الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، ولم تحقق الولايات المتحدة إلا القليل، ودفعت ثمناً باهظاً".
هذا الثمن، وفقاً للصحيفة، لم يكن رمزياً أو سياسياً فقط، وإنما تجسد في خسائر بشرية وعسكرية مباشرة. فقد قُتل 13 جندياً أمريكياً وأصيب نحو 400 آخرين خلال الاستهداف الإيراني للقواعد والمواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة، أو في "حوادث أخرى" مرتبطة بعمليات الحرب، بحسب الصحيفة، وهي أرقام تعكس حجم الانخراط الأمريكي في المعركة، رغم محاولات البيت الأبيض التقليل من شأنه.
كما كشفت "واشنطن بوست" أن الحرب استنزفت جانباً مهماً من المخزون الاستراتيجي الأمريكي. واستناداً إلى دراسة صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن الولايات المتحدة استهلكت أكثر من نصف مخزونها قبل الحرب من أربعة أنواع رئيسية من الذخائر الحيوية، وقد يستغرق تعويض بعض هذه الأسلحة ما يصل إلى ست سنوات كاملة.
ولا تتوقف الخسائر عند الجانب العسكري، إذ تؤكد الصحيفة أن الحرب أحدثت شرخاً في شبكة التحالفات الغربية. فالدول الأوروبية، التي لم تُستشر قبل بدء الحرب، رفضت المساهمة في عمليات محاولة فتح مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه، بقيت دول الخليج في حالة قلق وعدم يقين، نتيجة التداعيات الأمنية والاقتصادية، بينما انعكست الحرب على الداخل الأمريكي من خلال ارتفاع معدلات التضخم إلى 4.2 بالمئة، وفق ما أوردته الصحيفة.

البحث عن مخرج
هذه التقييمات الصادرة من صحيفة أمريكية مؤثرة تكشف، وفقاً لمراقبين، أن صورة "النصر الساحق"، التي حاول ترامب تسويقها، سرعان ما انهارت أمام الوقائع، ولهذا خلصت "واشنطن بوست" إلى نتيجة أكدت فيها أن ترامب "ارتكب خطأ فادحاً بدخوله الحرب، وهو الآن يحاول تدارك الأمر".
وبينما يواصل البيت الأبيض الحديث عن إنجاز تاريخي، تبدو الخلاصة التي تقدمها "واشنطن بوست" أكثر وضوحاً، فإيران صمدت، وأهداف الحرب تبخرت، أما واشنطن فخرجت مثقلة بالخسائر، تبحث عن مخرج سياسي لحرب دخلتها بثقة المنتصر وغادرتها تحت وطأة الفشل.