على وقع حرارة تتجاوز الأربعين..ملايين الطلاب يستقبلون عاماً دراسياً جديداً وسط مطالبات بإلغاء التقويم الهجري
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
تحقيق عادل بشر / لا ميديا -
بينما أرسلت آلاف الأسر اليمنية أبناءها إلى المدارس صباح أمس السبت إيذاناً ببدء العام الدراسي الجديد 2026/2027م، يجد آلاف الطلاب في المحافظات الساحلية والصحراوية أنفسهم أمام تحد مختلف لا يقتصر على الرسوم والمستلزمات الدراسية، وإنما بمواجهة حرارة الصيف اللاهبة التي تضرب مناطقهم في هذا الوقت من العام.
في الحديدة والجوف وأجزاء واسعة من المناطق الصحراوية والريفية، تبدأ الدراسة هذا العام في ذروة فصل الصيف، وسط درجات حرارة مرتفعة ورطوبة خانقة، وفي مدارس تفتقر إلى وسائل التبريد المناسبة، فيما يضطر عدد كبير من الطلاب إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام للوصول إلى مدارسهم.
في هذا الصدد عاد الجدل مجدداً حول قرار اعتماد التقويم الهجري لتنظيم العام الدراسي، وهو القرار الذي اتخذته وزارة التربية والتعليم في صنعاء عام 2021م، وقضى باعتماد أول سبت من شهر محرم من كل عام هجري، بداية للعام الدراسي، وأدى تدريجياً إلى انتقال موعد بدء الدراسة من أشهر الخريف المعتدلة إلى أشهر الصيف الأكثر حرارة.
وهذا العام أعلنت وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي في صنعاء بدء الدراسة الفعلية لجميع المراحل الدراسية اعتباراً من الخامس من محرم 1448هـ الموافق 20 حزيران/ يونيو 2026م، وذلك وفقاً للتقويم المدرسي المعتمد.
غير أن هذا الموعد أثار موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات في أوساط أولياء الأمور والعاملين في القطاع التربوي، خصوصاً في المحافظات الساحلية والصحراوية التي تواجه ظروفاً مناخية قاسية خلال هذه الفترة من السنة.
معاناة تتجدد كل صيف
في الأحياء الشعبية بمدينة الحديدة، كما في القرى الممتدة على طول سهل تهامة، تبدو المخاوف أكثر وضوحاً. فمع انقطاع الكهرباء في كثير من المناطق، وازدحام الفصول الدراسية، وارتفاع نسب الرطوبة، تتحول بعض المدارس إلى بيئة مرهقة للطلاب والمعلمين على حد سواء.
ويؤكد عاملون في القطاع التربوي أن المشكلة لا تتعلق بالحديدة وحدها، وإنما تمتد إلى مناطق واسعة في الجوف وأجزاء من مأرب ومناطق صحراوية أخرى، حيث تصل درجات الحرارة خلال أشهر الصيف إلى مستويات مرتفعة تجعل العملية التعليمية أكثر صعوبة.
ويكون الأطفال في الصفوف الأولى من التعليم الأساسي من أكثر الفئات تأثراً بهذه الظروف، إضافة إلى الطالبات والمعلمات اللاتي يواجهن تحديات إضافية مرتبطة بطبيعة الأجواء الحارة والرطبة داخل الفصول الدراسية.
وتزداد المعاناة في المناطق الريفية والصحراوية التي يضطر فيها الطلاب إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام للوصول إلى مدارسهم، وسط حرارة مرتفعة وانعدام وسائل النقل في كثير من القرى والتجمعات السكانية.
التربية: لا تأجيل للدراسة
خلال الأسبوع الفائت انتشرت أنباء عن تأجيل الدراسة في محافظة الحديدة لمدة شهر، بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
وأفاد (لا) مصدر في مكتب التربية بمحافظة الحديدة، وجود مقترح بتأجيل الدراسة في المحافظة إلى أواخر شهر تموز/ يوليو المقبل، نظراً لسخونة الطقس بدرجة كبيرة، مؤكداً في ذات الوقت بأنه حتى وإن طُبق هذا المقترح فإنه لا يعدو عن كونه تأجيل للمشكلة وليس حلاً لها، فالصيف يمتد لثلاثة أشهر شديدة الحرارة.
أول أمس، وقبل يوم من بدء العام الدراسي، تواصلت (لا) مع مدير مكتب التربية والتعليم بمحافظة الحديدة، عمر بحر، لمعرفة إن تم اعتماد مقترح التأجيل، غير أنه نفى بشكل قطعي صحة تلك الأنباء.
وقال بحر لـ»لا» إن الدراسة ستبدأ السبت (أمس) بصورة طبيعية وفقاً للخطة المعتمدة، مؤكداً أنه لم يصدر أي قرار بالتأجيل.
وأوضح أن المكتب أجرى تعديلات على أوقات الدوام للتخفيف من آثار الحرارة، حيث يبدأ الطابور الصباحي عند الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة صباحاً، وتبدأ الحصة الأولى عند السابعة صباحاً، ويستمر الدوام حتى العاشرة صباحاً، فيما تبدأ الفترة المسائية عند الثانية والنصف ظهراً وتنتهي عند السادسة والربع مساءً.
وأشار إلى أن السلطات التعليمية تعمل على صيانة وإصلاح منظومات الطاقة الشمسية في المدارس، التي قال بأن «جميع مدارس مدينة الحديدة تمتلك منظومات طاقة شمسية، وأن معظم مدارس المديريات مزودة أيضاً بالطاقة الشمسية والمراوح».
وحول المخاوف من تأثير الحرارة على الطلاب، قال بحر إن «هذه هي السنة الثالثة التي تبدأ فيها الدراسة خلال فصل الصيف». مضيفاً أن «الجهات المختصة لم تسجل أضراراً على الطلاب خلال العامين الماضيين».
بخلاف ذلك يؤكد طلاب وتربيون أن الكثير من المدارس الحكومية لا تتوفر فيها «مراوح» شغالة، وفي حال توفرت فتكون مروحة واحدة فقط في فصل يضم من 40 الى 60 طالباً.
لا حياة لمن تنادي
في السياق يرى عدد من المعلمين والعاملين في السلك التربوي أن المشكلة لا تقتصر على الطلاب فحسب، وإنما تشمل الكادر التعليمي والإداري الذي يجد صعوبة في أداء مهامه داخل الفصول الدراسية أو قاعات الاجتماعات خلال أشهر الصيف.
ويقول محمد الربوعي، وهو موجه تربوي في وزارة التربية، إن الجهات التربوية رفعت منذ بداية تطبيق التقويم الهجري تقارير عديدة تتناول سلبيات القرار وآثاره، خصوصاً في المناطق الساحلية.
ويضيف في تدوينه رصدتها (لا): «المعاناة لا تطال الطلاب والطالبات فقط، وإنما الكادر التعليمي والإداري أيضاً. أنا كموجه لا أستطيع التحمل داخل الصف الدراسي أو صالة الاجتماعات بسبب التعرق الشديد وآثاره، والمعلمات والطالبات في المناطق الحارة يتعرضن للكثير من الإحراجات والمشكلات، ولكن لا حياة لمن تنادي».
وتتحدث شهادات متداولة من السنوات الماضية عن حالات إرهاق وإغماء ودوخة بين بعض الطلاب والمعلمين في مدارس ساحلية، إضافة إلى شكاوى تتعلق بضعف التهوية وازدحام الفصول الدراسية.
كما يثير البعض قضية الزي المدرسي، معتبرين أن بعض أنواع الملابس المعتمدة لا تتناسب مع درجات الحرارة المرتفعة في المناطق الساحلية، ما يزيد من معاناة الطلاب والطالبات خلال ساعات الدوام.
دعوات متزايدة لإعادة النظر
وخلال الأيام الماضية تصاعدت الدعوات المطالبة بإعادة النظر في التقويم الدراسي، وتأجيل الدراسة في المحافظات الأشد حرارة، أو العودة إلى النظام الشمسي الذي كان معمولاً به قبل عام 2021م.
ووجّه تربويون وناشطون رسائل إلى وزارة التربية تدعوها فيها إلى مراعاة خصوصية المناطق الساحلية والصحراوية التي تبدأ الدراسة فيها هذا العام في ذروة الصيف.
ويرى كثير من أولياء الأمور أن استمرار اعتماد التقويم الهجري يدفع العام الدراسي عاماً بعد آخر نحو ظروف مناخية أكثر قسوة، ويضع الطلاب والمعلمين أمام تحديات متزايدة لا تتناسب مع واقع المدارس اليمنية وإمكاناتها المحدودة.
كما يشير منتقدون إلى أن المشكلة لا تقتصر على درجات الحرارة المرتفعة فقط، وإنما تشمل أيضاً موسم الأمطار والسيول الذي يتزامن في بعض المناطق مع بداية الدراسة، ما يضاعف من صعوبات التنقل ويزيد المخاطر التي يتعرض لها الطلاب في المناطق الريفية.
ويطالب آخرون بالعودة إلى النظام الشمسي الذي كانت تبدأ بموجبه الدراسة في منتصف أيلول/ سبتمبر من كل عام، معتبرين أن ذلك يحقق استقراراً أكبر للعملية التعليمية ويجنب الطلاب الدراسة خلال أشهر الحر الشديد، ولا يُربك ترتيبات الأسر التعليمية والمالية.
ويعود أصل الجدل إلى القرار الذي اتخذته وزارة التربية والتعليم في صنعاء عام 2021م باعتماد التقويم الهجري أساساً لتنظيم العام الدراسي بدلاً من التقويم الشمسي.
وبحكم أن السنة الهجرية أقصر من السنة الشمسية بنحو أحد عشر يوماً، فإن موعد الدراسة يتقدم كل عام مقارنة بالتقويم الميلادي، ما يجعل بداية العام الدراسي تنتقل تدريجياً بين فصول السنة المختلفة.
ويرى منتقدو القرار أن النتيجة الطبيعية لهذا التحول كانت انتقال بداية الدراسة خلال السنوات الأخيرة إلى أشهر الصيف، بما تحمله من درجات حرارة مرتفعة في أجزاء واسعة من اليمن.
في المقابل، يرى مؤيدو القرار أن التقويم الهجري أسهم في معالجة بعض الإشكالات المتعلقة بتزامن الدراسة والاختبارات مع شهر رمضان، كما أنه يتوافق مع اعتماد التقويم الهجري في مؤسسات الدولة.
إلا أن تربويين يرون أن المشكلات المرتبطة برمضان أو الشتاء يمكن معالجتها بإجراءات تنظيمية محدودة، بينما يصعب معالجة آثار الحر الشديد في مدارس تعاني أساساً من ضعف البنية التحتية والخدمات.
تقويم مرن
ومع استمرار الجدل عاماً بعد آخر، يطرح تربويون وأكاديميون حلولاً بديلة تقوم على منح المحافظات صلاحية أكبر في تحديد مواعيد بدء الدراسة بما يتناسب مع ظروفها المناخية والجغرافية.
ويستند هذا الطرح إلى حقيقة أن اليمن بلد متنوع مناخياً بصورة كبيرة، إذ تختلف ظروف المرتفعات الجبلية الباردة عن ظروف السواحل الحارة والمناطق الصحراوية، ما يجعل اعتماد موعد موحد للدراسة محل نقاش متزايد.
ويرى أصحاب هذا المقترح أن الحفاظ على وحدة المناهج وعدد أيام الدراسة والاختبارات الوطنية لا يتعارض مع منح المحافظات مرونة في تحديد التوقيت الأنسب لبداية العام الدراسي.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا