تقرير / لا ميديا -
شهد منتجع بورغنشتوك السويسري تطوراً دراماتيكياً قلب الطاولة على الحسابات الأمريكية؛ إذ غادر الوفد الإيراني المفاوض مقر المفاوضات احتجاجاً على التهديدات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مبرقاً باحتجاج شديد اللهجة ومباشر إلى الطرف الأمريكي عبر الوسطاء.
وقالت وكالة «فارس» إن الفريق الإيراني «غادر مقر المفاوضات ويتواجد حالياً في الفندق».
كما أكدت شبكتا «تسنيم» و»برس تي في» الإيرانيتان أن طهران تعكف حالياً على دراسة خيارات الرد المناسبة على هذه التهديدات، مشددتين على أنه بناءً على البند الثاني من تفاهم إسلام آباد، فإن أي تهديد يمثل نقضاً صارخاً وصريحاً لنص التفاهم المتفق عليه، بالتزامن مع تحذير حاسم أطلقه عضو في الوفد المفاوض عبر التلفزيون الإيراني أكد فيه أنه إذا لم يتحقق إنهاء الحرب في جنوب لبنان فعلاً فلن تستمر المفاوضات بأي حال من الأحوال. وقال رئيس مجلس الشورى ورئيس الوفد المفاوض، محمد باقر قاليباف: «نحن لا نقيم وزناً لتهديدات الأمريكيين، والأفضل لهم أن يكونوا حذرين للغاية في تصريحاتهم، فقواتنا المسلحة مستعدة تماماً للرد عليهم بطريقة أخرى»، متسائلاً باستخفاف عن عجز واشنطن: «ألا يفكرون أنه لو كانت لتهديداتهم أي نتيجة لما وصلوا إلى العجز الذي هم عليه اليوم؟!»، وأكد قاليباف: «مهما كثر كلامهم، فنحن من ينفذ على أرض الواقع».
في سياق متصل، صرح قاليباف فور وصوله زيورخ على متن الرحلة «ميناب 168» بأنه يستحضر تضحيات وأطفال ميناب المظلومين وشهداء إيران الشاهدين على هذا المسار، مؤكداً أنه لن يقبل بخيبتهم وسيعمل على انتزاع الحقوق الوطنية برأس مرفوعة.
وفي صفعة بروتوكولية أحبطت المساعي الأمريكية لالتقاط مكاسب رمزية مجانية، رفض الوفد الإيراني رفضاً قاطعاً المشاركة في مراسم أعدها الوفد الأمريكي ومنظمو المفاوضات لالتقاط صورة جماعية مشتركة ومصافحة علنية قبيل بدء المحادثات. ووفقاً لما كشفته وكالة «تسنيم»، اضطر المنظمون تحت وطأة الإصرار الإيراني إلى إجراء البث المباشر والتقاط الصور بدون مشاركة وفد طهران، الذي لم يدخل قاعة الاجتماعات إلا بعد انتهاء هذه المراسم وانطلاق الجلسة الرسمية، في رسالة واضحة تؤكد أن القيادة الإيرانية لا تبحث عن الاستعراضات الدبلوماسية، بل تثبت ثوابتها الوطنية والميدانية.
ودخلت الوفود قاعة المحادثات تحت سقف مشروط حدده المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الذي أكد صراحة أن الوثيقة الموقعة فجر الثامن عشر من حزيران/ يونيو الجاري رقمياً وإلكترونياً لا تُوقع مرة ثانية، وأن اجتماع اليوم مخصص حصراً لمتابعة تنفيذ البنود وتحديد الانتهاكات وإيجاد حلول رادعة لها.
وشدد بقائي على أن بدء أي مفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي تمتد لستين يوماً لمناقشة البرنامج النووي ورفع العقوبات، مشروطة كلياً بالبدء الفعلي والمستمر بتنفيذ البنود الأساسية الأول والرابع والخامس والعاشر والحادي عشر من مذكرة التفاهم.
وانطلقت أعمال «قمة بحيرة لوسيرن» في سويسرا والاجتماع الأول للجنة الرفيعة المستوى بمشاركة وفود إيران والولايات المتحدة والوسطاء من باكستان وقطر، وسط أجواء أكدت الندية الإيرانية.
ووضع الوفد الإيراني الملف اللبناني ووقف العدوان الصهيوني الإجرامي على طاولة النقاش كشرط وموضوع رئيسي لا يقبل التساؤل، محذراً من أن وقف إطلاق النار الذي يسري بشكل هش منذ الأمس هو ثمرة تنسيق وثيق بين الدبلوماسية والميدان، وأن طهران لن تتسامح مع محاولات التهرب من الالتزامات.
اختبار الالتزام الأمريكي: وقف العدوان على لبنان وتحرير الأصول الإيرانية
في السياق أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بعقد اجتماع ثلاثي مغلق يضم ممثلين عن إيران والولايات المتحدة وقطر في مقر المفاوضات، مخصص لبحث ملفين مفصليين يمثلان عمق الالتزام الأمريكي؛ أولهما: الوقف الشامل للعدوان على لبنان واحترام سيادته ووحدة أراضيه ومنع بقائها تحت أي احتلال أجنبي، وثانيهما: الإفراج الكامل والفعلي عن الأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة، إلى جانب إصدار التراخيص الفورية اللازمة لبيع النفط الإيراني ومشتقاته ومنتجات البتروكيماويات.
وجاء هذا الضغط الدبلوماسي المتزامن مع إعلان الخارجية القطرية تشكيل مجموعات فنية متخصصة للتفاوض بشأن بنود الاتفاق النهائي، ومجموعات متابعة دقيقة لمواكبة تنفيذ «مذكرة تفاهم» حية في الوقت الحقيقي وبقاعدة «الالتزام مقابل الالتزام»، لضمان عدم تكرار التجارب السابقة من الغدر الأمريكي.
رضائي يحذّر من التفاؤل المفرط
الموقف الإيراني القوي والمحكوم باليقظة، وضعه عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، اللواء محسن رضائي، في سياقه الاستراتيجي؛ إذ أكد أن الولايات المتحدة التي كانت تتوهم إمكانية إخضاع إيران بالغطرسة ولغة القوة، باتت اليوم مجبرة على الاتجاه صاغرة إلى طاولة التفاوض، بعد الفشل الذريع لكل محاولاتها العسكرية والاقتصادية، محذراً الوفد المفاوض من أي تفاؤل مفرط قد تستغله الأطراف الأخرى، نظراً للتاريخ الطويل من عدم التزام الأعداء بوعودهم.
وجاءت هذه المواقف بالتزامن مع مشاورات عمل داخلية استمرت تسعين دقيقة أدارها رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض الإيراني، محمد باقر قاليباف، لترتيب أوراق الوفد.
على الطرف الآخر يترأس الوفد الأمريكي المأزوم ميدانياً نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، الذي غادر إلى سويسرا رفقة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف والمستشار جاريد كوشنر. وأبدى فانس قبل وصوله محاولات واضحة لتهدئة الأجواء وإبداء المرونة، معرباً عن ارتياحه لمسار المحادثات وثقته في قدرة الإدارة الأمريكية على الحفاظ على تثبيت وقف إطلاق النار، في إشارة تعكس مدى الضغط الاستراتيجي والميداني الذي يواجهه المعسكر الأمريكي بعد تفعيل إيران أدوات الردع وإغلاق مضيق هرمز، ما أجبر رمز الاستكبار العالمي على المجيء إلى سويسرا صاغراً للبحث عن مخارج والتعهد بتنفيذ الشروط الإيرانية دون قيد أو شرط.










المصدر لا ميديا