دمشق أمام خيارات صعبة
- تم النشر بواسطة خاص / لا ميديا
دمشق - خـاص / لا ميديا -
كان لافتاً، التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول رئيس السلطة السورية أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) بين قوله "أنا من وضعت الشرع رئيسًا على سوريا، بالتعاون مع أردوغان".. والإشادة به بأنه يقوم "بعمل مذهل".
لكن الموقف الأهم في تصريحات ترامب، كان قوله إنه "اقترح على إسرائيل أن يتولى الشرع أمر حزب الله اللبناني"، وأضاف أن "إسرائيل تقاتل حزب الله منذ فترة طويلة جدا، ويسقط عدد كبير جدا من القتلى.. اقترحت على إسرائيل أن تتولى سوريا أمر حزب الله، لأنني بصراحة أعتقد أنهم سيقومون بعمل أفضل".
وكانت قد سبقت هذه الشهادة الترامبية، معلومات عن زيارة سيقوم بها الشرع إلى واشنطن، وزيارة أخرى لباريس، للمشاركة في قمة "السبعة الكبار"، التي عقدت في فرنسا، مع عدد من الزعماء، الذين تمت دعوتهم لحضور القمة كضيوف.
لم يصدر من دمشق، موقف حول ما قاله ترامب، سواء بحق الجولاني، أو حول مشاركة سورية في قتال حزب الله، لكن فجأة، تم الحديث عن إلغاء زيارة واشنطن وباريس، وبدون أن يتم تقديم أي توضيحات عن سبب الإلغاء.
كما شهدت الحركة السياسية والدبلوماسية من وإلى دمشق برودة عما كانت عليه في الفترة التي سبقتها، والتي تؤكد الدور والموقع الجيوسياسي الذي تحتله دمشق، بغض النظر عن السلطة الموجودة فيها، أو من يحكمها.
من المهم الملاحظة بأن الدعوات التي كانت موجهة للجولاني وإلغاءها المفاجئ، ترابطت مع التطورات الكبيرة والمتسارعة التي شهدنها المنطقة، على إيقاع العدوان (الأمريكي -"الإسرائيلي") على إيران ولبنان، حيث كانت الدعوات موجهة عندما كانت المواجهة مستمرة، وتم الإلغاء بعد إعلان الرئيس ترامب التوصل إلى اتفاق مع طهران لوقف الحرب بصيغة أقرب للشروط الإيرانية، والانتقال إلى المفاوضات، والذي أثار غضباً ورفضاً من الحكومة "الإسرائيلية"، وتأكيد بأنها لم تكن طرفاً في الاتفاق، وبالتالي ليست ملزمة به.
كما كان لافتاً، أن المسؤولين الأمريكيين، ومنهم ترامب ونائبه جي دي فانس، حاولا تهدئة مخاوف نتنياهو من الاتفاق، واسترضاءه وتطمينه.
ما هو مؤكد، أن تصريحات ترامب لم تكن مجرد مجاملات سياسية عابرة، ولا توزيع شهادات حسن سلوك مجانية، خاصة وأنها صادرة من ترامب المعروف بوقاحته في مواقفه وتصريحاته حتى مع حلفائه وأصدقائه، وفي اللقاءات الإعلامية التي تجرى معه، وإنما كانت رسائل سياسية وعسكرية متعددة الاتجاهات، كانت تستخدم من ضمن صراع الإرادات الذي يجري بين أطراف الصراع، تارة بالأسلوب العسكري، وتارة السياسي والدبلوماسي، وأخرى بالمواقف، وحتى بلغة الجسد، وبالتالي كانت هذه الرسائل موجهة إلى دمشق وبيروت وطهران والكيان الصهيوني وكافة دول المنطقة، وحتى إلى الرأي العام الأمريكي و"الإسرائيلي"، تقول بأننا نمتلك خيوط اللعبة، ولدينا الكثير من الأوراق لتحقيق أهدافنا.
كما جاء الغضب "الإسرائيلي" من الاتفاق (الأمريكي -الإيراني) كعامل إضافي، قد يزيد من الضغط الأمريكي على السلطات السورية للزج بها في مواجهة مع حزب الله، مستفيدة من العلاقة غير الودية بين الجانبين، والموروثة من سنوات الأزمة السورية، حيث كانت المقاومة الداعم الأساسي لنظام الرئيس بشار الأسد.
ومع غياب أي مصادر رسمية عن كل هذه التطورات سواء من دمشق أو واشنطن أو باريس، لكن مصادر إعلامية عديدة مقربة من دوائر القرار في هذه العواصم، تحدثت عن أسباب عديدة، منها أن السلطات السورية أبدت موقفاً معارضاً لدخولها في مواجهة مع حزب الله، حيث كان الجولاني قد صرح في مناسبة سابقة بأن دمشق لن تتعامل مع الحزب بصورة منفردة أو بتوجيه خارجي، وإنما عبر المؤسسات اللبنانية، وبطلب من الحكومة اللبنانية.
لكن الموقف الأكثر وضوحاً صدر من الجولاني بعد تصريحات ترامب، وقال أمام وفد محلي سوري: "لن ندخل لبنان، وتلك مطالب أمريكية، ولكن نحن تريد الاستقرار للبنان، ولن نكون طرفا في هذه الحرب".
ورأت المصادر بأن هذا الموقف، وخاصة الأخير من الجولاني ربما يكون السبب في إلغاء زيارة واشنطن. أما سبب إلغاء زيارة باريس فكان تهرباً من الجولاني لتلافي حدوث مواجهة مع الرئيس ترامب المعروف بوقاحته في تناول حتى أقرب المقربين منه، خاصة وأن ترامب قد يرى في ذلك فرصة لإرضاء نتنياهو وتخفيف موقفه من الاتفاق مع طهران.
إلغاء زيارات الجولاني لواشنطن وباريس، وبرودة الحركة من وإلى دمشق، والتوتر (الأمريكي -"الإسرائيلي")، أثارت تساؤلات حول إمكانية تجاوب سورية مع هذه الضغوط الأمريكية للدخول في مواجهة مع حزب الله.
بالتأكيد الجواب على هذه التساؤلات ليس سهلاً، لكن الواقع يقول إن لا مصلحة سورية بزجها في هذا الأتون الخطير، لأنه يشكل خطراً حقيقياً عليها (دولة وشعباً وحكومة)، وتعيد خلط الأوراق المبعثرة أصلاً في سورية والمنطقة، وتثير تساؤلات غير مريحة للسلطة السورية حول دورها الإقليمي، وأن تكون في صف واحد مع حكومة الاحتلال، في الوقت الذي تمددت فيه "إسرائيل" داخل الأراضي السورية بعد التغيير الدراماتيكي الذي حصل في دمشق، ووصول "هيئة تحرير الشام" بزعامة الجولاني إلى السلطة، بمساعدة وترتيبات إقليمية ودولية، وقيامها بقصف متكرر لمواقع ومقرات الجيش السوري، وحتى للقصر الجمهوري ووزارة الدفاع السورية، بالإضافة إلى أن مثل هذه المشاركة لا تلاقي أي دعم من أي طرف إقليمي أو دولي.
لكن ما هو مؤكد أيضاً، أن حكومة الاحتلال لديها قدرات على خلط الأوراق، وهي تجهر برفضها للاتفاق الأمريكي الإيراني، وهناك مخاوف كثيرة حتى داخل الإدارة الأمريكية من إقدام حكومة الكيان على محاولة منع تنفيذ الاتفاق، وربما ينعكس ذلك مزيداً من الضغوط على السلطات السورية، بسبب صعوبة الأوضاع وعدم استقرارها داخلياً وخارجياً، حيث تمسك واشنطن بأهم أوراق الضغط عليها، والجواب المؤكد على هذه التساؤلات متعلق بالتطورات التي ستلي الاتفاق (الأمريكي -الإيراني)، والمفاوضات التي ستجري بين الجانبين، ومحاولات نتنياهو إسقاط الاتفاق.. ودمشق تنتظر.










المصدر خاص / لا ميديا