خاص / لا ميديا -
منذ أن دمرت الغارات الصهيونية آخر طائرة مدنية عاملة في مطار صنعاء الدولي في أيار/ مايو 2025، رداً على موقف صنعاء المساند لغزة، تحولت قضية المطار من ملف وطني يمس ملايين اليمنيين إلى ملف محصور في نطاق ضيق من التنسيقات الخاصة والرحلات الأممية المحدودة، وفقاً لمصدر مطلع في مكتب الأمم المتحدة رفض الكشف عن هويته.
وبحسب المصدر الذي تحدث مع "لا"، فإن إعادة تأهيل المطار واستئناف تشغيله مطلع العام 2026 لم يفتح الباب أمام اليمنيين العالقين في الخارج، ولا أمام المرضى والجرحى والطلاب الذين ينتظرون فرصة للعودة أو السفر، وإنما اقتصر في معظمه على تسيير رحلات الأمم المتحدة الخاصة بنقل موظفيها والعاملين في المجال الإنساني.

رحلات شبه فارغة
يقول المصدر إن الطائرات الأممية التي بدأت العودة إلى مطار صنعاء في كانون الأول/ يناير 2026 كانت تصل وعلى متنها موظف أو موظفان تابعان للأمم المتحدة أو المنظمات المرتبطة بها، ثم تغادر بعدد مماثل تقريباً، في وقت كانت فيه آلاف الحالات المرضية والإنسانية في اليمن تنتظر أي نافذة للخروج أو العودة عبر مطار صنعاء.
ووفقاً للمصدر، أبلغت السلطة في صنعاء الأمم المتحدة آنذاك أن استمرار تشغيل الرحلات بهذه الصورة لا يحقق أي فائدة إنسانية حقيقية لليمنيين، مطالبة بفتح المجال أمام نقل العالقين والمرضى والجرحى والطلاب وغيرهم من المدنيين المحتاجين للسفر.
وأشار إلى أنه عندما لم تستجب الأمم المتحدة لهذا الطلب، تم تعليق رحلاتها إلى صنعاء لأكثر من شهر، قبل أن تعلن المنظمة في شباط/ فبراير 2026 موافقة صنعاء على استئناف رحلات خدمة النقل الجوي الإنساني التابعة لها.
وكان المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن جوليان هارنيس قد أكد حينها أن استئناف الرحلات ضروري لتمكين موظفي المنظمات الإنسانية من الدخول إلى صنعاء ومغادرتها وضمان استمرار إيصال المساعدات الإنسانية.

صفقة الاستئناف
بحسب المصدر المطلع، فإن استئناف الرحلات في شباط/ فبراير 2026 جاء بعد تفاهمات جديدة غير معلنة سمحت بنقل مسافرين يمنيين عبر الطيران الأممي.
ويشير المصدر إلى أن التفاهمات "السرية" تضمنت إمكانية نقل يمنيين من صنعاء إلى الأردن عبر الرحلات الأممية، ثم مواصلة سفرهم إلى وجهاتهم النهائية في دول مختلفة، إضافة إلى نقل يمنيين من الأردن إلى صنعاء على الرحلات نفسها.
لكن المصدر يؤكد أن هذه الآلية لم تتحول إلى جسر إنساني واسع للعالقين والمرضى والطلاب كما كان مأمولاً، وإنما بقيت محصورة في نطاق محدود للغاية ولصالح شخصيات معينة.

أرقام تكشف حجم النشاط
وفقاً لخدمة الأمم المتحدة الجوية الإنسانية (UNHAS)، فإنه خلال الفترة من شباط/ فبراير إلى مطلع نيسان/ أبريل 2026، تم تنفيذ 59 رحلة جوية إلى مطار صنعاء الدولي، بمتوسط يقارب 29 رحلة شهرياً.
كما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى تنفيذ 865 رحلة إنسانية في اليمن خلال العام 2025. وبالاستناد إلى جداول التشغيل المنشورة، يقدّر مختصون أن مطار صنعاء استحوذ على ما بين 350 و430 رحلة من هذا النشاط في العام 2025، ما يجعله إحدى أهم محطات الشبكة الجوية الأممية في البلاد.
ورغم هذه الأرقام، لا توجد بيانات علنية تفصيلية توضح عدد اليمنيين المدنيين الذين استفادوا من هذه الرحلات مقارنة بعدد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الذين تم نقلهم عبرها.

أين العالقون؟
السؤال الذي يطرحه الكثير، وفقاً للمصدر المطلع في مكتب الأمم المتحدة، هو: أين ذهبت الوعود المتعلقة بنقل العالقين والمرضى والجرحى والطلاب؟!
ويضيف المصدر أن آلاف اليمنيين ما يزالون يواجهون صعوبات كبيرة في السفر والعلاج والدراسة والعودة إلى البلاد، في حين تُستخدم الرحلات الأممية بصورة أساسية لنقل أشخاص محددين ذهاباً وإياباً عبر صنعاء.
وبحسب المعلومات التي نقلها المصدر، فإن بعض المستفيدين من هذه الرحلات يواصلون السفر من صنعاء إلى وجهات متعددة، بينها الهند ومصر وإيران وألمانيا وغيرها، بينما لا يزال كثير من المرضى والجرحى والطلاب والعالقين خارج دائرة الاستفادة.

صمت تجاه فتح المطار
ويرى المصدر أن قضية فتح مطار صنعاء أمام الرحلات المدنية المنتظمة تراجعت بشكل لافت منذ استئناف الرحلات الأممية، رغم أنها كانت تمثل أحد أبرز الملفات الإنسانية والوطنية خلال السنوات الماضية، موضحاً أن استمرار "التنسيق الخاص" بالرحلات الأممية خلق واقعاً بديلاً عن المطالبة الجادة من قبل حكومة صنعاء بإعادة فتح المطار أمام الحركة التجارية والمدنية الكاملة، وهو ما اعتبره بعض المنتقدين ابتعاداً عن المصلحة العامة لصالح ترتيبات تخدم فئات محددة.
ويؤكد المصدر أن هذا التنسيق يتم بعلم وموافقة "جهات رفيعة" في صنعاء وخارجها، وأن العمل به استمر حتى بعد استئناف الرحلات الأممية مجدداً في أواخر أيار/ مايو 2026، عقب توقف استمر قرابة شهرين.
ووفقاً للمعلومات التي حصل عليها المصدر، فقد بلغ عدد الرحلات الأممية المتجهة إلى مطار صنعاء خلال الفترة الماضية من شهر حزيران/ يونيو الجاري نحو 14 رحلة، في مؤشر إلى استمرار النشاط الجوي الأممي بوتيرة منتظمة.
غير أن الأمر، بحسب مراقبين، لا يتعلق بعدد الرحلات بقدر ما يتعلق بالسؤال الأهم: من يستفيد منها؟
ففي حين كان يُفترض أن يشكل استئناف العمل في مطار صنعاء خطوة نحو تخفيف معاناة ملايين اليمنيين، ما تزال شريحة واسعة من المرضى والطلاب والعالقين تنتظر حلاً دائماً يتمثل في إعادة فتح المطار أمام الرحلات المدنية المنتظمة، بدلاً من الاكتفاء بممر جوي محدود لا يزال بعيداً عن تلبية الاحتياجات الحقيقية للمواطنين.