أسرار نفط الحديدة .. هكذا تم إخفاء ثروات البحر الأحمر وحرمان اليمنيين منها
- تم النشر بواسطة بشرى الغيلي/ لا ميديا
تقرير: بشرى الغيلي / لا ميديا -
لعقود طويلة ظلت رمال الحديدة ومياه البحر الأحمر تخفي تحتها واحداً من أخطر الأسرار الاقتصادية والجيوسياسية في المنطقة؛ ثروة هيدروكربونية هائلة من النفط والغاز تم تغييبها عنوة، ليبقى اليمنيون أسرى لفقر مصطنع وحصار اقتصادي ممنهج.. لم يكن بقاء هذه الثروات حبيسة باطن الأرض صدفة جيولوجية، بل كان نتاج قرارات سياسية مفروضة، وتواطؤ داخلي، وتدخلات خارجية سعت لعزل اليمن عن خارطة الإنتاج العالمي للطاقة.
في التقرير تفتح (لا) صندوق الأسرار الأسود لنفط الحديدة، متتبعا الخيوط الأولى للثروة المنهوبة منذ العهد العثماني، وموثقاً شهادات حية ونادرة لخبراء أجانب ومحليين.. ويكشف التقرير بالأدلة والوقائع، كيف أُجهضت الاكتشافات التجارية، وكيف تم التلاعب بإحداثيات الحفر، وصولاً إلى الدور المريب الذي لعبه مسؤولون في النظام السابق لتحويل سيادة الوطن ومقدراته إلى ورقة مساومة تخدم أجندات الجوار، قبل أن ترسم المرحلة الراهنة معادلة جديدة شعارها السيادة المطلقة على الثروة والقرار..
شهادة ألمانية
في شهادة حية تؤكد حجم المؤامرة، يكشف المهندس الجيولوجي الألماني المعمر (كارل) (103 أعوام)، أحد مهندسي شركة (ديلمان) العاملة باليمن مطلع الخمسينيات، عن حقيقة جيولوجية مذهلة؛ حيث يؤكد اكتشاف مخزون هائل من النفط والغاز قبالة ساحل الحديدة.
ويوضح (كارل) أن الشركة كانت بصدد إعلان الاكتشاف التجاري لولا تلقيها أوامر دولية صارمة بالتوقف الفوري والانسحاب.. هذه الشهادة، الممزوجة بإعجاب المهندس الألماني بكبرياء اليمنيين واعتزازهم بهويتهم، لا تمثل سوى رأس جبل الجليد لتدخل خارجي سافر، وتواطؤ من النظام السابق لتعطيل مقدرات الوطن ورهن ثرواته.
أول اكتشاف للنفط
قد يظن البعض تحت وطأة ضخ إعلام البترودولار والدعاية السعودية أن منابع النفط الأولى تفجرت في نجد أو الحجاز.. لكن التاريخ واضح أول اكتشاف للنفط في الجزيرة العربية كان في اليمن وتحديدا في مديرية اللحية بمحافظة الحديدة عام 1912، وفي حديثه لصحيفة (لا) المثبت بالوثيقة التاريخية والصور المرفقة التي تثبت هذا كشف الأكاديمي في جامعة الحديدة الدكتور عبدالودود مقشر أن «الوثائق العثمانية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن المهندس البريطاني السير وليام ويلكوكس، أو ويليام جايافق كما تذكره الوثائق العثمانية القديمة، كلف باستكشاف قضاء مديرية اللحية لصالح الحكومة العثمانية، وقد كانت النتيجة صاعقة ومبشرة للجميع، حيث اكتشف النفط بكميات تجارية ضخمة جدا في ساحل البحر الأحمر، ووضع خريطة جيولوجية دقيقة حدد فيها مساحة عشرين ألف دونم للتنقيب، رافعا تقريره لوالي اليمن في السابع والعشرين من أغسطس 1912.. ورغم موافقة مجلس الوكلاء العثماني في الثاني من مارس 1916، أجهضت الحرب العالمية الأولى هذا الحلم الاقتصادي الكبير».
مناطق حوض البحر الأحمر
إن المتأمل في الخارطة الجيولوجية يدرك يقينا أن مناطق حوض البحر الأحمر غنية بالنفط والغاز بكميات كبيرة، وهي حقيقة علمية تؤكدها الدراسات الدولية الحديثة وتتجاهلها الحكومات المتعاقبة في اليمن.. حيث قدرت دراسات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية وجود أكثر من خمسة مليارات برميل من النفط غير المكتشف والقابل للاستخراج، ومائة واثني عشر تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي في حوض البحر الأحمر ومحافظة الحديدة.. وقد سارعت الدول المحاذية لساحل البحر الأحمر إلى استغلال هذه الثروات، فمصر على سبيل المثال تنتج النفط من حقول خليج السويس منذ عقود طويلة محققة اكتشافات عملاقة، والسعودية أعلنت مؤخرا عن اكتشافات متتالية لحقول الغاز الطبيعي في مياه البحر الأحمر مثل حقول مدين وبرقان.
هذه الحقائق الجيولوجية الراسخة تؤكد أن بحيرة هائلة من الغاز والنفط تستثمرها دول الجوار وتجني ثمارها، بينما تقف الجغرافيا اليمنية الممتدة على طول ساحل البحر الأحمر معطلة ومحاصرة، حيث تواطأ المسؤولون الفاسدون في النظام السابق مع رغبة النظام السعودي لضمان بقاء ساحل البحر الأحمر ومحافظة الحديدة الغنية بالمواد الهيدروكربونية خارج خارطة الإنتاج العالمي، لكيلا يمتلك اليمن قراره الاقتصادي والسياسي المستقل.
أوامر عليا بإغلاق الآبار في الزيدية
لم يكن بقاء نفط الحديدة الغزير في باطن الأرض ناتجا عن تعقيدات جيولوجية في الطبقات الأرضية كما روجت وسائل إعلام الفساد لتبرير عجزها وخيانتها المتعمدة أمام الشعب، إنها مؤامرة وقرار مفروض من الرياض.
ولنعد بالذاكرة إلى أوائل الخمسينيات والستينيات، حين توافدت شركات ألمانية وأمريكية كبرى مثل شركة «براكلا وديلمان» وشركة «جون ميكوم»، وتم حفر إحدى وثلاثين بئرا استكشافية أثبتت وجود شواهد هيدروكربونية هائلة على مساحة عشرة آلاف كيلومتر مربع تمتد من أقصى شمال ساحل البحر الأحمر حتى مديرية المخا جنوبا.. وماذا حدث بعد هذه الاكتشافات المبشرة؟ انسحبت تلك الشركات تباعا وبصمت مريب لأسباب ومُبررات مُختلفة.
تجلى التدخل السعودي في أوج صلفه وقبحه خلال الثمانينيات، وتحديدا عام 1986 عندما فرضت الرياض منعا قاطعا للتنقيب في مأرب والجوف والحديدة، ومن الشواهد التي تفضح المسؤولين الفاسدين في النظام السابق وحراستهم للفقر والارتهان، أن السفير الهولندي بالرياض زار نظيره بصنعاء وتوجها معا إلى مديرية الزيدية بمحافظة الحديدة للاطلاع على الاستكشافات، وما هي إلا أيام معدودة حتى صدرت أوامر عليا بإغلاق الآبار في مديرية الزيدية، وطرد الشركات الهولندية المنفذة فورا، ونقل معداتها إلى الأراضي السعودية، في فضيحة ارتهان وانبطاح لا مثيل لها.
دور السمسار الرخيص
العدو الخارجي الطامع في مقدراتنا لم يكن ليتمادى في غيه وعدوانه السافر لولا وجود خناجر مسمومة في الظهر مهدت له الطريق، حيث لعب المسؤولون الفاسدون في النظام السابق دور السمسار الرخيص الذي باع سيادة وطنه بحفنة من المال، محولين قطاع النفط في العهود البائدة إلى ملحقة تخدم أجندة الجوار، وتجعل البلد في دائرة العوز والاحتياج الدائم، وتآمروا بشكل ممنهج على إخفاء البيانات الجيولوجية الحقيقية لساحل البحر الأحمر ومحافظة الحديدة المليئة بالخيرات.
ويؤكد خبراء الهندسة البترولية الشرفاء الذين واكبوا تلك المراحل أن آبارا كثيرة حفرت في السهل الساحلي للبحر الأحمر، ووجد فيها النفط والغاز الصافي في أعماق الحديدة، لكن الفساد زيف النتائج، وادعى جفافها أو ملوحتها الشديدة لإنهاء عقود التنقيب، وتم احتكار قطاعات الحديدة النفطية لسنوات طويلة جدا وتسليمها لشركات أوروبية لا تقوم بأي عمل حقيقي، وكان الهدف الأوحد من هذا هو حجز هذه القطاعات الواسعة ومنع أي استثمار حقيقي، تنفيذا للأجندة السعودية لضمان بقاء المارد اليماني مكبلا.
عرقلة متعمدة
ذروة الخيانة العظمى والتفريط بالسيادة تجسدت بوضوح لا يقبل اللبس أو التأويل في فضيحة البئر الاستكشافية «بيتا واحد» عام 2005، فقد منح المسؤولون الفاسدون في النظام السابق حق الامتياز لشركة «مايفيير» البريطانية والتي لم تكن في حقيقة الأمر سوى واجهة قذرة ممولة من المخابرات السعودية لاحتكار قطاعات ساحل البحر الأحمر وتجميدها بالكامل.. فقد كان مقررا حفر البئر في منطقة وسطى بين مديريتي الزهرة واللحية بمحافظة الحديدة، على بعد خمسمائة متر فقط من ساحل البحر الأحمر للوصول إلى مصيدة النفط، لكن الشركة تعمدت -بسوء نية- سحب الحفار لمسافة ألف متر وتغيير الإحداثيات للابتعاد كليا عن المكمن النفطي.
وعندما أوقف المهندس لبيب عمر حجري هذا العبث صدرت توجيهات عليا من صنعاء بحماية الشركة المخالفة.. وفي هذا السياق يوثق عضو مجلس النواب، محمود هارب لـ(لا) تفاصيل تلك المرحلة الحالكة، حيث قال: «لقد تابعنا في البرلمان عن كثب ما جرى في العام 2005، وكانت هناك عرقلة متعمدة وممنهجة لتنقيب النفط في محافظة الحديدة وساحل البحر الأحمر، فالنظام السابق لم يكن مجرد متواطئ صامت، بل كان أداة تنفيذية طيعة للمشروع السعودي الذي استهدف إبقاء أبناء الحديدة في فقر مدقع، ورأينا كيف تم قمع الأصوات الوطنية التي فضحت جريمة تغيير إحداثيات الحفر في مديريتي الزهرة واللحية لحماية المصالح السعودية المباشرة وحرمان اليمن من ثرواته السيادية».
لصوص النفط قبالة مديرية الصليف
مع بزوغ فجر ثورة الحادي والعشرين من أيلول/ سبتمبر المجيدة، انهار جدار الوصاية والتبعية إلى الأبد، وأدرك تحالف العدوان الغاشم أن يمن الاستقلال والسيادة لن يفرط في ذرة رمل من ترابه الطاهر أو قطرة واحدة من ثرواته.
وفي محاولة بائسة ومفضوحة للسطو على مقدراتنا تحت جنح ظلام الحرب، تسللت في العشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 ثلاث قطع بحرية معادية، إحداها سعودية وسفينة كورية جنوبية تحمل حفارا نفطيا ضخما، إلى مسافة ثلاثة أميال فقط قبالة مديرية الصليف بمحافظة الحديدة الأبية. لم تكن تلك السفن في مسار ملاحي بريء كما ادعت أبواق العدوان، بل كانت في مهمة لاستكشاف النفط في ساحل البحر الأحمر، ترجمة لاتفاقيات مشبوهة وقعها النظام السعودي في العاصمة الكورية سيول، غير أن العيون الساهرة واليقظة لأبطال خفر السواحل والقوات البحرية اليمنية الباسلة كانت لهم بالمرصاد، وفي عملية بحرية بطولية تعكس عظمة المقاتل اليماني الشجاع، تم إيقاف واقتياد السفن الثلاث بكل حزم إلى رصيف ميناء الصليف، في صفعة مدوية لقوى الاستكبار، ورسالة يمانية ساطعة كالشمس بأن ثرواتنا خط أحمر لا يقبل المساومة.
معركة تحرر اقتصادية
إن ملف آبار نفط الحديدة وساحل البحر الأحمر المليء بالكنوز الدفينة ليس مجرد أرقام اقتصادية، بل هو وثيقة إدانة تاريخية دامغة تفضح عقودا من الارتهان الذي مارسه المسؤولون الفاسدون في النظام السابق بحق الشعب العظيم والصابر، إن اليمانيين اليوم، وهم يسطرون أروع ملاحم الصمود الأسطوري والتحدي في وجه تحالف الشر الكوني، يثبتون للعالم أجمع أن اليمن العظيم عصي على الانكسار والترويض.
المعركة الشاملة التي يخوضها شعبنا الأبي اليوم، معمدة بدماء الشهداء الزكية وتضحيات الأحرار، هي في صميمها معركة تحرر اقتصادية وسياسية لكسر الحصار واقتلاع جذور الوصاية الأجنبية من كل شبر في بلادنا.. إننا اليوم وبفضل الله وصمود أحرارنا، نقف بشموخ غير مسبوق على أعتاب مرحلة تاريخية مشرقة، حيث يتم انتزاع حقنا المشروع في استخراج ثرواتنا النفطية والغازية المدفونة في سواحلنا بقوة الحق وإرادة التحرر. استخراج نفط محافظة الحديدة اليوم والمضي بثبات نحو بناء الاقتصاد الوطني المستقل لم يعد حلما بعيد المنال، بل هو قرار سيادي يمني حر تحرسه بنادق الرجال الصادقين في الميدان، قرار وطني خالص لا يركع إلا لله، ليبقى اليمن السعيد سيدا مطلقا على أرضه وقراره وثرواته أبد الدهر.










المصدر بشرى الغيلي/ لا ميديا