تقرير / لا ميديا -
تتجه المواجهة المحتدمة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتحالف الأمريكي-الصهيوني نحو تحولات جيوستراتيجية عميقة تحطم القواعد الاعتيادية للصراع وترسخ معادلات ردع جديدة تمتد آثارها من الميدان البحري والجوّي إلى أروقة المحافل السياسية والأمنية الدولية.
وفي حين أظهرت إيران قدرات غير مسبوقة على شل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة ووضع شروط حاسمة لإنهاء الحرب، بدأت عواصم المنطقة والعالم تعيد حساباتها الأمنية أمام انهيار مفهوم «الدفاع المتقدم» الذي اعتمدت عليه واشنطن لعقود.
وفي تصريحات صحفية لافتة، كشف أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، اللواء محسن رضائي، عن تحول جوهري في العقيدة الدفاعية لبلاده، مؤكداً أن التقديرات والحسابات التي بناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إيران كانت خاطئة ومضللة، وأن هذه الحرب اندلعت بتحريض مباشر من رئيس حكومة الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو.
وشدد اللواء رضائي على أن القيادة العسكرية الإيرانية تشخص بدقة كافة نقاط ضعف الجيش الأمريكي، وباتت اليوم أكثر استعداداً من أي وقت مضى لمواجهة وتفكيك هجماته الجوية. وأكد بوضوح أن طهران جادة تماماً في الدفاع عن نفسها، وستضرب القواعد الأمريكية ومصالح واشنطن في المنطقة بقوة أشد في حال استمرار أو توسع العدوان.
واعتبر أن اختبار إيران الاستراتيجي الأخير لصاروخ متطور مضاد للسفن بالقرب من حاملة طائرات أمريكية شكل رسالة ميدانية حاسمة، دفع بطهران إلى اتخاذ قرار نهائي بتغيير استراتيجيتها بالكامل تجاه واشنطن عقب انسحاب الأخيرة من التفاهمات المنظمة.
وفي ما يتعلق بمسار الوساطات الدولية، أشار أمين مجلس الأمن القومي إلى استمرار المشاورات مع الوسيطين القطري والباكستاني؛ إذ جرى إبلاغهما رسمياً بالشروط الإيرانية الثابتة والتي نقلها الوسيط القطري إلى واشنطن للقبول بها كسبيل أول لإنهاء الحرب، وتتمثل في الإيقاف الشامل والكامل للحرب على كافة الجبهات، والإفراج الفوري عن جميع الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، إلى جانب الإنهاء التام للحصار البحري المفرط.
وأكد رضائي أن تهديدات ترامب لن تجدي نفعاً، وأن القبول بالحقوق والشروط الإيرانية هو المخرج الوحيد لواشنطن لتفادي حرب مكلفة ومفتوحة.
وعلى الصعيد النووي، حذّر رضائي من أن السلوك العدواني الأمريكي والصهيوني يمنح إيران الحق الاستراتيجي في الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، مشيراً إلى أنه رغم التزام طهران الصارم بفتوى قائد الثورة الإسلامية وتأكيد عقيدتها السلمية حتى الآن، إلا أن اتخاذ قرار الانسحاب يظل مرهوناً بالسلوك الميداني للبيت الأبيض.
عراقجي: نرفض عسكرة المنطقة
من جانبه، وخلال كلمة ألقاها في «منتدى الحوار العالمي 2026» بالعاصمة الإندونيسية جاكرتا، شن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، هجوماً على العدوان الأمريكي-الصهيوني الغاشم.
وأكد عراقجي أن هذا العدوان يأتي ضمن نمط فاشي وممنهج لتطبيع الحروب، واغتيال المسؤولين السياسيّين، وانتهاك سيادة الدول، مع الإفلات التام من العقاب، محذراً من أن عجز المؤسسات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة يضرب مصداقيتها ويؤدي إلى محو الخطوط الحمراء للقانون الدولي. واستحضر عراقجي الجريمة المروعة، المتمثلة في استشهاد 168 تلميذاً في مدينة ميناب الإيرانية، مؤكداً أن الضحايا ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات الحروب، بل حياة وأسر جرى تدميرها.
كما أكد عراقجي أن الأمن المستدام في الشرق الأوسط لا يمكن فرضه من خارج المنطقة، مشدداً على أن أمن المنطقة يجب أن يكون تحت سيطرتها، وأن تكون دولها قادرة على مناقشة أمنها واستقرارها وتنميتها ومستقبلها المشترك وإيجاد حلولها الخاصة دون تدخل قوى أجنبية.
«التلغراف»: إيران تُخرج واشنطن من المنطقة
في البعد الاستراتيجي، جاء تقييم وسائل الإعلام الغربية ليعزز الرواية الإيرانية حول معادلات القوة؛ إذ نشرت صحيفة «التلغراف» البريطانية تحليلاً موسعاً للمحلل دانييل دي بيتريس أكد فيه أن طهران أثبتت قدرتها الفعلية على دفع الولايات المتحدة نحو التراجع، وإخراجها تدريجياً من الشرق الأوسط، وإعادة تشكيل الحسابات الأمنية لكافة حلفائها.
وأوضح التحليل أن شبكة القواعد والمنشآت العسكرية الضخمة التي شيدتها واشنطن منذ حرب الكويت عام 1991 ضمن مفهوم «الدفاع المتقدم» -بما فيها قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية ومقر الأسطول الخامس في البحرين- تحولت تحت ضربات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية من أدوات ردع إلى أهداف سهلة ونقاط ضعف مكشوفة.
وأشارت الصحيفة إلى أن ادعاءات إدارة ترامب أن العمليات تسير «وفق الخطة» تصطدم بالواقع؛ إذ كلف الصراع خزينة واشنطن حتى الآن 38 مليار دولار، بكلفة شهرية تصل إلى 3 مليارات، إلى جانب تضرر مئات المنشآت العسكرية ونفاد أعداد هائلة من صواريخ الاعتراض الجوي التي يحتاج تعويضها سنوات.
وأشارت الصحيفة إلى أن تهاوي «مبدأ كارتر» لعام 1979 الداعي لحماية الطاقة بالقوة الأمريكية دفع دولاً إقليمية كالسعودية والإمارات وقطر إلى إعادة تقييم اعتمادها المطلق على واشنطن، والاتجاه لنقل تحالفاتها وتنويع خياراتها الأمنية عبر توقيع اتفاقيات دفاعية مع دول مثل تركيا وباكستان.
وفي إطار إحكام السيطرة الإيرانية على الشرايين المائية الحساسة، أعلن نائب رئيس لجنة الأمن القومي البرلمانية الإيرانية، النائب مقتدائي، عن إقرار المادة (10) من الخطة الاستراتيجية لتأمين أمن مضيق هرمز، والتي تفرض سلطة كاملة للجهات المختصة في إيران على باطن وقاع البحر في المضيق.
ونصت اللائحة التنفيذية للقانون على جعل مرور كافة الكابلات البحرية ومعدات نقل البيانات والتكنولوجيا الرقمية عبر القاع مشروطاً بالحصول على موافقة رسمية مسبقة من السلطات الإيرانية، في خطوة سيادية تُكمل الإغلاق الميداني وتضع خطوط الاتصالات والإمداد الاستراتيجية تحت الإشراف المباشر لطهران.
وفي سياق متصل، شدد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، على أن شروط طهران المعلنة هي الأساس الوحيد لأي عملية تفاوضية، مبيناً أنه في ظل الانتهاكات الأمريكية المتواصلة للتفاهمات لا يمكن الحديث إطلاقاً عن انتهاء الحرب قبل إذعان واشنطن كاملاً للمطالب الإيرانية.










المصدر لا ميديا