حاوره:طارق الأسلمي / لا ميديا -
«العمدة» ليس مجرد لقب ارتبط بمهاجم عُماني، بل اسم ارتبط بمرحلة مهمة من تاريخ الكرة العُمانية والخليجية. عماد الحوسني، أحد أبرز نجوم الجيل الذهبي للمنتخب العُماني، الذي ترك خلال مسيرته بصمة واضحة بالأهداف والإنجازات والذكريات التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الجماهير، سواء بقميص منتخب بلاده أو خلال تجاربه الاحترافية التي خاضها.
وُلد الحوسني في 18 تموز/ يوليو 1984، وبرز مهاجماً هدافاً قاد خط هجوم المنتخب العُماني لسنوات طويلة، وتميز بقدراته التهديفية وضرباته الرأسية وأهدافه التي كثيراً ما جاءت في مواعيد مهمة، إلى جانب أخلاقه داخل الملعب وخارجه، التي جعلته يحظى بمكانة خاصة لدى الجماهير العُمانية والخليجية.
مع المنتخب العُماني، كان الحوسني أحد أبرز عناصر الجيل الذهبي. قاد بلاده إلى التتويج بأول ألقابها في كأس الخليج عام 2009 في مسقط، كما توج هدافاً لخليجي 17 في قطر، وبرز بصورة لافتة في نهائيات كأس آسيا 2004 في الصين.
وبعد إسدال الستار على مسيرته التي دامت أكثر من 14 عاماً داخل المستطيل الأخضر، لم يبتعد الحوسني عن كرة القدم كثيراً، بل انتقل إلى مجال التحليل الرياضي مواصلاً حضوره في المشهد الكروي العربي والآسيوي من موقع مختلف، مستنداً إلى سنوات طويلة عاش خلالها تفاصيل اللعبة لاعباً.
وفي حوار مع "لا الرياضي"، يفتح الحوسني ملف الكرة العمانية ومستقبلها، ونتوقف عند جيله الذهبي قبل أن نفتح معه ملف كأس الخليج والمنتخب اليمني ومشاركته في «خليجي 27»، وما تحتاجه الكرة اليمنية لتخطو نحو منافسة أقوى.
  تُعد أحد أساطير الكرة العمانية والخليجية وصاحب مسيرة حافلة بالأهداف والإنجازات... كيف تختصر سنواتك مع المنتخب العماني والأندية التي ارتديت فانيللاتها؟ وما أبرز المحطات التي لا تزال عالقة في وجدانك؟
- مسيرتي كانت رحلة طويلة مليئة بالفخر والتحديات والذكريات الجميلة. ارتداء قميص منتخب سلطنة عُمان كان الشرف الأكبر بالنسبة لي، وكل مباراة لعبتها باسم الوطن كانت مسؤولية لا توصف بالكلمات. عشت لحظات جميلة مع المنتخب ومع الأندية التي مثلتها داخل السلطنة وخارجها. ومن المحطات التي ستبقى في ذاكرتي بطولات كأس الخليج والتجارب الاحترافية التي خضتها، وخاصة تجربتي في الدوري السعودي. أعتز بكل نادٍ حملت شعاره، لأن كل تجربة صنعت جزءاً من شخصيتي، داخل الملعب وخارجه.
  كنت ضمن جيل ذهبي كتب صفحة خاصة في تاريخ الكرة العُمانية. كيف تصف سر قوة هذا الجيل مقارنة بالجيل الحالي؟
- سر ذلك الجيل كان في المجموعة قبل الفرد. كنا نملك لاعبين ذوي جودة وشخصية، مثل علي الحبسي وأحمد حديد وفوزي بشير، وغيرهم من الأسماء المميزة. لكن الأهم أننا كنا نلعب بروح واحدة ونعيش حلماً واحداً ونقاتل من أجل شعار المنتخب. مررنا معا بمراحل صعبة قبل الوصول إلى الإنجازات، ولذلك تكونت لنا شخصية قوية وخبرة كبيرة. الجيل الحالي يمتلك الموهبة أيضاً ويحتاج إلى الاستمرارية والاحتكاك القوي والصبر ومنحه الثقة حتى يصنع هويته الخاصة.
 تجربتك مع الأهلي السعودي كانت من أهم وأبرز محطات مسيرتك الاحترافية، ونجحت خلالها في ترك بصمة واضحة لدى النادي وجماهيره. ماذا مثل لك الأهلي في مسيرتك؟ وما الذي أضافته لك تلك التجربة؟
- الأهلي بالنسبة لي ليس مجرد تجربة احترافية، بل محطة كبيرة جداً في حياتي،، وعلاقتي بجماهيره ما زالت مستمرة حتى اليوم. عشت معه مباريات وبطولات ولحظات لا تنسى، وتعلمت خلال تجربتي في السعودية الكثير على المستوى الفني والشخصي. اللعب أمام جماهير كبيرة وتحت ضغط المنافسة على البطولات يصنع شخصية اللاعب ويزيده نضجاً. أفتخر بما قدمته للأهلي، وأعتز بالمحبة التي ما زلت أجدها من جماهيره، لأنها بالنسبة للاعب من أجمل المكاسب التي تبقى بعد الاعتزال.
  هل تشعر بأن مسيرتك اكتملت بما أنجزته مع المنتخب والأندية؟ أم أن هناك طموحات لم تتحقق كلاعب كنت تتمنى الوصول إليها؟
- الحمد لله، راضٍ جداً عن مسيرتي، وأفتخر بكل ما حققته؛ لكن اللاعب الطموح دائماً يتمنى المزيد. كانت لديّ أحلام أكبر على مستوى الاحتراف الخارجي والمشاركة في كأس العالم مع المنتخب العماني، والتأهل إلى كأس العالم كان حلماً كبيراً لجيلنا ولم يتحقق. لكن في النهاية أنظر إلى مسيرتي بامتنان وأشعر بأنني قدمت كل ما أستطيع من أجل المنتخب والأندية التي مثلتها.
  عندما تنظر إلى رصيدك من المباريات والأهداف، ما هي المباراة التي لا تنساها أبداً؟ وما الهدف الذي تعتبره الأغلى والأجمل في مسيرتك؟
- من الصعب اختيار مباراة واحدة أو هدف واحد؛ لأن هناك مباريات كثيرة مرتبطة بذكريات كبيرة مع المنتخب والأندية. مباريات كأس الخليج لها مكانة خاصة جداً في قلبي، لأنها مرتبطة بالجمهور العماني وبأجمل مراحل مسيرتي الدولية. وعلى مستوى الأهداف هناك أهداف كثيرة أعتز بها، لأن قيمة الهدف عندي ليست فقط في جماله، وإنما في توقيته وتأثيره في الفريق والجمهور. وبعض الأهداف تبقى في الذاكرة لأنها جاءت في مباريات كبيرة وتحت ضغط كبير.
  بعد اعتزالك كرة القدم انتقلت إلى مجال التحليل الرياضي. ما الذي دفعك لاختيار هذا المسار تحديداً؟ وهل تعتقد أن خبرتك كلاعب سابق تمنحك ميزة إضافية في التحليل مقارنة بالمحللين الذين لم يمارسوا اللعبة؟
- بعد الاعتزال أردت أن أبقى قريباً من كرة القدم، ولذلك وجدت نفسي في مجال التحليل. اللاعب السابق ينظر إلى بعض التفاصيل من زاوية عاشها بنفسه داخل الملعب؛ يعرف ماذا يشعر به اللاعب تحت الضغط وكيف يفكر المهاجم والمدافع وكيف تتغير المباراة من موقف إلى آخر... لكن الخبرة كلاعب وحدها لا تكفي، فالمحلل يحتاج إلى متابعة مستمرة ودراسة وتطوير أدواته واحترام المشاهد. بالنسبة لي أحاول أن أنقل خبرتي من الملعب إلى الشاشة بطريقة بسيطة وواضحة بعيدا عن التعقيد.
  المنتخب العماني بدأ مرحلة جديدة مع المدرب المغربي طارق السكتيوي، الذي تحدث عن رغبته في نقل التجربة المغربية وتطوير المنظومة والاهتمام بالفئات السنية. من خلال ما شاهدته، ما أبرز ملامح المنتخب معه؟ وما الذي يستطيع المدرب المغربي أن يضيفه للكرة العمانية؟
- طارق السكتيوي مدرب لديه تجربة جيدة وفكر واضح، وهو يتحدث عن مشروع يتجاوز نتائج المنتخب الأول إلى بناء منظومة وهوية فنية والاهتمام بالمواهب والفئات السنية، وهذا مهم جداً للكرة العمانية. من المبكر الحكم على التجربة بشكل نهائي، لكنني أرى أن المرحلة تحتاج إلى منحه الوقت والدعم، مع وجود عمل متكامل حول المنتخب. نجاح أي مدرب لا يعتمد عليه وحده، بل يحتاج إلى منظومة تساعده على تطبيق أفكاره. وأتمنى أن يستفيد من تجربته مع الكرة المغربية في تطوير عقلية اللاعب ورفع مستوى التنافس وصناعة جيل قادر على الاستمرار سنوات.
  ما تقييمك للجيل الحالي في المنتخب العُماني؟ ومن هم اللاعبون الذين تراهم قادرين على حمل لواء الكرة العُمانية لسنوات قادمة؟
- لدينا جيل يمتلك الموهبة والطموح، وهناك عدد من اللاعبين الذين أثبتوا قدرتهم على تحمل المسؤولية. لكنني دائماً أفضل الحديث عن المجموعة أكثر من الأسماء، لأن المنتخب لا يبنى على لاعب أو لاعبين. نحن بحاجة إلى توسيع قاعدة الاختيار وصناعة منافسة حقيقية في كل مركز، وإعطاء اللاعبين الشباب فرصاً أكبر. اللاعب الذي يريد حمل لواء الكرة العمانية يجب أن يحافظ على مستواه لسنوات، وأن يمتلك عقلية احترافية، وليس مجرد التألق في بطولة أو مباراة.
  كيف تقيم الدعم المقدم لكرة القدم في عمان اليوم؟ وهل تعتقد أن هناك رؤية استراتيجية واضحة لتطوير اللعبة؟
- هناك جهود تبذل، وهناك رغبة في التطوير، لكن طموح الكرة العمانية يحتاج إلى عمل أكبر واستراتيجية طويلة المدى. كرة القدم الحديثة تحتاج إلى استثمار حقيقي في الأكاديميات والفئات السنية والمدربين والمنشآت والمسابقات المحلية والتسويق. كما نحتاج إلى تقوية الأندية، لأنها الأساس الذي يبنى عليه المنتخب. إذا أردنا منتخباً قوياً بصورة مستمرة فيجب أن تكون لدينا منظومة قوية تعمل طوال العام، وليس فقط عند اقتراب البطولات.
  كأس الخليج شهدت خلال تاريخها ولادة نجوم كبار. هل ما زالت البطولة اليوم قادرة على صناعة النجوم كما كانت تفعل في الأجيال السابقة؟
-بالتأكيد ما زالت هذه البطولة منصة مهمة جداً للاعب الخليجي. ربما تغيرت كرة القدم وأصبحت هناك بطولات قارية ودولية أكبر من حيث المتابعة، لكن كأس الخليج ما زالت تمنح اللاعب فرصة للظهور وصناعة اسمه أمام جماهير المنطقة. صناعة النجم اليوم تحتاج أيضاً إلى الاستمرارية والاحتراف والتطور بعد البطولة. البطولة قد تقدم اللاعب للجمهور، لكن اللاعب نفسه هو المسؤول عن الخطوة التالية.
  تابعت المنتخب اليمني في خليجي 27، كيف تقيم مشاركته في هذه النسخة؟
- المنتخب اليمني قدم مشاركة تستحق الاحترام، رغم خروجه من دور المجموعات. البداية لم تكن سهلة، لكن الفريق أنهى البطولة بصورة قوية جداً بالفوز على البحرين بخمسة أهداف مقابل هدفين، وحصد المركز الثالث في مجموعته بثلاث نقاط. بالنسبة لي أهم شيء شاهدته هو شخصية اللاعبين وإصرارهم على إنهاء البطولة بصورة تليق بهم. المنتخب اليمني يملك روحاً كبيرة، وإذا توفرت له ظروف أفضل واستمرارية أكبر في الإعداد فإنه قادر على التطور وتحقيق بطولة كأس الخليج في النسخ القريبة القادمة. وأنا شخصياً أتمنى لليمن أن يحقق لقب كأس الخليج، لأن اليمنيين لهم مكانة خاصة في القلب، ولديهم جمهور محب وعاشق لكرة القدم.
  ماذا قرأت أنت فنياً من هذه المشاركة؟ وهل ترى أن الخماسية في مرمى البحرين تعكس تطوراً حقيقياً أم أنها مرتبطة بظروف المباراة؟
- الفوز بخمسة أهداف على البحرين نتيجة كبيرة ولا يمكن التقليل منها، خاصة أن اليمن كان متأخراً في النتيجة ثم نجح في العودة بقوة وسجل أربعة أهداف في الشوط الأول قبل أن ينهي المباراة بخمسة أهداف مقابل هدفين. لكن فنياً لا أحب الحُكم على تطور منتخب من مباراة واحدة. هذه المباراة أظهرت الجرأة الهجومية والثقة والاستفادة من الفرص والروح العالية. التطور الحقيقي يقاس بالاستمرارية وبما يقدمه المنتخب في سلسلة من المباريات والبطولات، وليس بنتيجة واحدة مهما كانت كبيرة.
كيــــــف ترى المنتخبات اليمنية اليوم مقارنة بما واجهته سابقاً؟
- اللاعب اليمني دائماً كان يتميز بالمهارة والروح والقتال. الفارق اليوم أن كرة القدم أصبحت تحتاج إلى إعداد أكبر واستمرارية واحتكاك دولي وعمل احترافي طوال الموسم. أرى أن المنتخب اليمني يمتلك خامات جيدة، لكن هذه الخامات تحتاج إلى بيئة تساعدها على التطور. عندما يتوفر الاستقرار والإعداد والمنافسة المنتظمة سنشاهد مستويات أفضل بكثير.
  برأيك، ما الذي تحتاجه الكرة اليمنية لتنهض وتنافس على مستوى أقوى؟ وما الحلول العملية التي تقترحها؟
- الكرة اليمنية تحتاج أولاً إلى الاستقرار، ثم إلى مشروع طويل المدى يبدأ من الفئات السنية، يجب الاهتمام بالأكاديميات وتأهيل المدربين وزيادة عدد المباريات والمسابقات المنتظمة ومنح اللاعبين فرصة الاحتراف الخارجي والاحتكاك بمدارس كروية مختلفة. الموهبة موجودة في اليمن، لكن الموهبة وحدها لا تكفي. عندما تضع الموهبة داخل منظومة مستقرة وتوفر لها التدريب والمنافسة والتخطيط تستطيع أن تصنع منتخباً قوياً.
  لا شك أن لك ذكريات خاصة مع اليمن، سواء في زياراتك لها أو مواجهاتك خلال بطولات كأس الخليج. ما أبرز ما بقي عالقاً في ذهنك من تلك التجارب؟
- اليمن وشعبه لهم مكانة خاصة في قلبي. أتذكر دائماً الحماس الكبير لكرة القدم والمحبة التي وجدتها من الجماهير اليمنية. وفي كأس الخليج كانت مواجهة المنتخب اليمني دائماً تحتاج إلى احترام وتركيز، لأن اللاعب اليمني يقاتل حتى اللحظة الأخيرة. أجمل ما يبقى بعد سنوات اللعب ليس النتائج فقط، وإنما العلاقات والمحبة بين الشعوب والجماهير، وهذا ما أشعر به تجاه اليمن وأهله.
  في ختام هذا الحوار، وبعد كل ما عشته في الملاعب، ما الكلمة التي يود «العمدة» أن يقولها اليوم لجماهيره وزملائه وكل من رافقه في هذه الرحلة؟
- أقول لهم: شكراً من القلب، كل هدف سجلته وكل لحظة فرح عشتها وكل إنجاز تحقق كان خلفه جمهور وزملاء ومدربون وإداريون وعائلة وقفت معي طوال الطريق، كنت محظوظاً بأنني عشت أجمل سنوات عمري وأنا أمثل سلطنة عُمان وأدافع عن شعارها وأحمل اسمها في كل مكان، وإذا بقي شيء أعتز به بعد نهاية مسيرتي فهو محبة الناس، البطولات والأهداف تبقى في السجلات، لكن المحبة تبقى في القلب، وسيظل عماد الحوسني ممتناً لكل شخص كان جزءاً من هذه الرحلة.