تحقيق: عادل عبده بشر / لا ميديا -
في أحد أزقة العاصمة، تتعالى رائحة الخبز الساخن مع أولى ساعات الصباح، لكن خلف تلك الرائحة التي تُغري الجائعين، تختبئ حكاية فوضى تتسع كل يوم. يقف المواطن عبدالكريم في طابور طويل أمام مخبز الحي، يشتري عشرة أرغفة روتي، وما إن يخرج حتى يهمس غاضباً: «صار الرغيف أصغر من الكف، والسعر نفسه!».
من المخابز الكبيرة المزودة بمكائن حديثة إلى الأفران الشعبية التي تكتفي بموقد غاز متآكل، أو مادة الحطب، تتكرر القصة ذاتها، وفقاً لمواطنين التقتهم (لا)، لا وزن ثابتا، ولا تسعيرة رسمية تُحترم، ولا جهة رقابية حاضرة. المواطن وحده من يدفع الثمن -رغيفًا ناقص الوزن ورديء الجودة- في زمن لم يعد فيه الخبز تفصيلاً من تفاصيل الحياة، بل صار عنواناً يومياً للظروف المعيشية الصعبة.
تبدو المخابز اليوم كجزر خارجة عن القانون، يتلاعب كثير منها بأوزان ومواصفات إنتاج الخبز بأنواعه المختلفة، بين من يبرر بارتفاع أسعار الدقيق والغاز -رغم أن الكثير من المخابز تستخدم الحطب- ومن يراهن على غياب الرقابة الرسمية الصارمة.
رغيف يتناقص.. والأسرة تدفع الثمن
في جولة على عدد من المخابز في العاصمة صنعاء، لا يجد المواطن فرقا في السعر، فجميع الأفران تبيع الرغيف بعشرين ريالاً، لكن الفارق الكبير يظهر في الوزن والحجم. فالرغيف الذي كان يملأ كف اليد، بات اليوم أشبه بقرص صغير هش، يُلتهم بقضمة واحدة.
تقول أم ناصر، وهي أم لخمسة أطفال: «كنا نشتري عشرة أرغفة تكفينا للغداء، واليوم نحتاج عشرين وما تشبع العيال.. الرغيف صار خفيفا مثل الورق».
المشهد نفسه يتكرر في معظم الأحياء، أفران مزدحمة، رغيف متناقص، وصمت رسمي مطبق. المواطن لا يشتكي من السعر بقدر ما يشتكي من الغش في الوزن والجودة، إذ يتحول الخبز من غذاء أساسي إلى عبء يومي يُرهق ميزانية الأسر محدودة الدخل.
جودة تتدهور بلا حسيب
أصحاب المخابز يُنكرون التلاعب بالأوزان، ولكنهم في ذات الوقت لا يطبقون قرار وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار بالبيع للمواطنين بالميزان، عدا قلة من الأفران والمخابز التي تجدها تضع الميزان أمام نافذة البيع.
البعض من الأفران والمخابز تهربوا مِن الإجابة على استفسارنا حول سبب نقص وزن الرغيف بأنواعه المسطح والروتي، والبعض برر بالقول إن «نقص الوزن مرتبط بارتفاع تكلفة الإنتاج»، معتبرين أن التسعيرة الرسمية (20 ريالاً للرغيف) لم تعد تغطي التكلفة الفعلية.
يقول صاحب مخبز في حي مذبح: «نشتري كيس الدقيق بأسعار متفاوتة كل فترة، والغاز سعره مرتفع، فكيف نحافظ على الوزن، والناس لا يحتملون رفع السعر».
وأضاف: «ما ينتجه الكيس الدقيق حجم 50 كيلوجراما، من الخبز أو الروتي، لا يغطي تكاليف الإنتاج، التي تتوزع بين أسعار الدقيق والغاز أو الحطب، والزيت إلى جانب التكاليف التشغيلية الأخرى مثل «مرتبات العُمال، الإيجارات، الكهرباء»، إضافة إلى الضرائب، الزكاة، النظافة...».
لكن تلك الأعذار لا تُقنع المواطنين الذين يرون أن الفوضى تمتد من الوزن إلى الجودة، إذ تُخلَط أحياناً أنواع دقيق رديئة لتقليل الكلفة، ويُسرّع الخَبز دون تخمير كاف، ما يجعل الرغيف قاسياً لا يُؤكل بعد ساعات قليلة.
غياب الرقيب وتعدد الأعذار
تتعدد الأسباب التي تقف وراء فوضى المخابز وتدهور جودة الرغيف، لكن العامل المشترك بينها هو غياب الرقابة الصارمة والمستمرة. فبينما تُصدر الجهات المعنية كوزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار ومكاتبها في المديريات، قرارات بتحديد الأسعار والأوزان، تبقى تلك القرارات حبراً على ورق في ظل غياب المتابعة الميدانية الحقيقية.
وكان آخر تعميم أصدرته الوزارة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023م بتحديد سعر الكيلوجرام للخبز بكافة أنواع (المسطح والروتي والكدم) بمبلغ 400 ريال وكذا تحديد حجم القرص الواحد بوزن 50 جراما وبسعر 20 ريالاً.
وحددت الوزارة نوع المخالفات بالتالي: «الامتناع عن البيع بالميزان، البيع بسعر أغلى من السعر المحدد، نقص وزن القرص بأنواعه عن 50 جراماً، عدم عرض وإشهار أسعار البيع، عدم تدوين بطاقة البيان على أكياس الخبز المسطح الآلي».
بحسب شهادات متفرقة، فإن الرقابة التموينية شبه غائبة، وإن حضرت فزياراتها متقطعة، وكثيراً ما تكون شكلية لا تترك أثراً. فيما يقول عامل في أحد الأفران، فضل عدم ذكر اسمه: «قد يمر المفتش مرة كل شهر أو شهرين، يأخذ البيانات ويغادر، بعد أن يكون صاحب الفرن قد أعطاه مبلغاً من المال. لكن ما فيش ميزان يُفحص، ولا عين تراقب الوزن فعلاً».
ويضيف: «حتى وإن كانت الحملات صارمة، فإن الوضع من الالتزام لا يدوم سوى أيام، قبل أن يعود إلى ما كان عليه».
المطاعم.. فوضى أخرى
لا تقتصر فوضى عدم التزام الكثير من الأفران بالأوزان المحددة للخبز والروتي، بل إنها انتقلت إلى العديد من المطاعم، حيث يشتكي المواطنون من قيام بعض المطاعم بتقليص عدد أرغفة الخبز في الكيس الواحد ثلاثة أرغفة فقط، واحتساب السعر على الزبون بمبلغ مائة ريال. مشيرين إلى أن بعض المطاعم تتعامل مع أفران ومخابز تقوم بإنتاج أرغفة الخبز وأقراص الروتي بشكل خاص لها، بأوزان أقل وجودة أدنى، وبالرغم من ذلك يتعمد المطعم تقليل عدد الأرغفة من خمسة إلى ثلاثة.
الجهة الغائبة
بدورنا في (لا) قمنا بالتواصل مع الجهة المختصة بالرقابة على الأفران والمخابز بوزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار، ممثلة بإدارة المخابز والأفران ومديرها مكرم الدميني، ونقلنا له شكاوى المواطنين وتساؤل الصحيفة حول موقع إدارة الأفران والمخابز من الفوضى التي تشهدها المخابز والأفران في إنتاج الرغيف وعدم الالتزام بالوزن والجودة، وأسئلة أخرى تتعلق بالحملات التفتيشية على الأفران، والمخالفات التي تم ضبطها والإجراءات والعقوبات التي تطبقها الوزارة، كجهة مختصة، على المخالفين، ومبلغ الغرامات، وأيضاً المعوقات التي تواجهها الإدارة عن القيام بمهامها على أكمل وجه.
بداية تفاعل مدير إدارة المخابز والأفران، بشكل كبير مرحباً بالشكاوى والاستفسارات التي طرحناها بين يديه، وطلب مهلة لبضعة أيام حتى يقوم بالرد عليها «بطريقة مرتبة وسلسة وواضحة»، وكان له ذلك، لكنه حين عاودنا التواصل معه لنحو أسبوعين، سواء بالاتصال الهاتفي أو الرسائل القصيرة وللواتس آب، لم يرد، بالرغم من رؤيته وقراءته لرسائل الواتس آب.
في السياق طرحت (لا) التساؤلات على أحد المسؤولين في الوزارة، طلب عدم ذكر اسمه، فقال: «الرقابة شبه موجودة، لكن الإمكانيات محدودة وعدد المفتشين لا يغطي كل الأحياء».
وأضاف: «إدارة المخابز والأفران ليست عاجزة، بل مقيدة بفراغ سلطوي وإهمال مؤسسي، وغياب إرادة حقيقية من قيادة الوزارة وقطاع التجارة الداخلية وحماية المستهلك، لمعالجة هذه الإدارة الهامة» حدّ وصفه.
وأشار إلى أن «إدارة المخابز والأفران تحولت من إدارة ميدانية فاعلة إلى إدارة مقموعة ومهمشة، لا صلاحيات تنفيذية أو ميزانية تشغيلية، أو أدوات مكتبية أو حتى وسيلة نقل واحدة، كما أن المخطط والدراسات المرفوعة إلى قيادة الوزارة وقطاع التجارة الداخلية حول تطوير العمل الإداري والفني وإصلاح منظومة المخابز والأفران، لم تلقِ أي تجاوب يُذكر وبقيت حبيسة الأدراج دون تنفيذ».
وبحسب المسؤول فإن ما وصفه بـ«سياسة العمل في الوزارة» هي التي أوصلت المخابز والأفران إلى هذا الوضع المتدهور، وليس قصور الموظفين أو ضعف الإدارة المعنية.
وقال: «لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوز إلى تدمير ممنهج للإدارة، حيث تم توقيف المواصلات الشهرية الخاصة بالإدارة منذ أكثر من عام ونصف دون أي مبرر، وكأن الغرض من ذلك إيقاف أي جهد حقيقي أو نجاح ميداني للإدارة».
وأضاف: «لقد أُفرغ الميدان من الرقابة، وتحول القرار إلى أوراق مؤجلة في الأدراج، والوزارة التي من واجبها تمكين الإدارات التنفيذية، اكتفت بالمشاهدة». محملاً «قيادة الوزارة وقطاع التجارة الداخلية وحماية المستهلك، المسؤولية المباشرة عن الجمود الحاصل في إدارة المخابز والأفران نتيجة غياب الدعم والصلاحيات والإشراف الفعلي».
اختبار يومي لضمير الحكومة
في بلد أنهكته سنوات العدوان والحصار، وارتفعت فيه الأسعار إلى حدود لا تُطاق، بات الرغيف مقياساً للعدالة ومرآةً لضمير الحكومة ومدى حضورها أو غيابها في تفاصيل حياة مواطنيها. فحين يعجز المواطن عن شراء خبز يليق بجهده وكرامته، لا تعود القضية مجرد مخالفة وزن، بل خللاً في إدارة حياة الناس.
ويرى خبراء بأن الحل يبدأ بإعادة الرقابة التموينية إلى الميدان لا إلى المكاتب، وتفعيل فرق التفتيش الميدانية بشكل دوري ومعلن، وأيضاً الرقابة على فرق التفتيش، حتى لا تُستغل الحملات وتتحول من قبل ضعفاء النفوس إلى وسيلة لابتزاز أصحاب المخابز والأفران، والتضييق عليهم.
وإلى جانب فرض عقوبات رادعة بحق الأفران التي تتلاعب بالأوزان أو تستخدم مواد رديئة. يؤكد الخبراء على ضرورة أن تتحلى وزارة الاقتصاد والصناعة بمسؤوليتها في العمل مع بقية الوزارات في الحكومة على تخفيض أسعار المواد الإنتاجية «القمح والدقيق والزيوت والغاز وغيرها» بالقدر الذي يستطيع المواطن لمسه في حياته المعيشية.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا