تحقيق/ بشرى الغيلي / لا ميديا -
في محوى يضج برائحةِ البؤس والنسيان، تحاول الأرملة الثلاثينية (ندى) أن تضم طفلتها المريضة إلى صدرها، لا تملك ثمن الدواء، والأقسى من ذلك أنها لا تملك وسيلة التنقّل، ولا تجد المعاملة اللائقة.. تقول بصوت يخنقه البكاء: «يقولون لي إن مرض طفلتي هو أسلوب للتسول! وأنا لا أملك طريقة لإقناعهم لمعاملتي كأم طبيعية والإحساس بمعاناتنا.. فهل عليّ أن أموت أنا وابنتي كي يصدقونا؟».
سؤالٌ معلقٌ في سماء الإنسانية الملبدة بالغيوم، تلقته صحيفة «لا» وهي توثق هذا الوجع، لتنقل صرخاتهن من قاع النسيان إلى واجهة الضمير، محاولةً البحث عن إجابة في عيون أنهكها التهميش، فقصة ندى ليست إلا فاتحة لكتاب مأساوي، تقلب صحيفة «لا» صفحاته لتكشف واقعاً مأساويا.
الوجع الحقيقي تبهذلنا بسبب التنقل
أم عبدالفتاح (60 عاما)، نازحة بمخيم في أطراف ريف حجة، تختزل في تجاعيد وجهها قصة شتات مريرة بدأت من تعز وانتهت في العراء، حيث تجد نفسها، رغم كبر سنها المعيل الوحيد لأسرة مكونة من 15 فرداً، في ظل ظروف تفتقر لأدنى مقومات الحياة. عن رحلة العذاب وانقلاب الأدوار داخل المخيم تقول لصحيفة «لا»: «تبهذلنا بسبب التنقل، وتعبت لأني المعيل الأساسي.. عندنا الرجال أكثرهم يجلسون داخل الخيمة والنسوان هن اللي يشقين، وزوجي ينزل السوق يخيط أحذية، أحياناً يحصل رزق وأحياناً لا».
تخرج أم عبدالفتاح يومياً إلى الأسواق والقرى المجاورة بحثاً عن ثمن الدقيق أو حتى رغيف خبز، واصفة مرارة الحاجة: «أحصل يوم مائتين ويوم خمسمائة، وأحياناً نخرج نطلب الخبز.. نلاقي صعوبة في توفير أكل يومنا ونحس بإحراج وبهذلة».
وفيما تعتبر تقدمها في السن حصناً لها من المضايقات التي تتعرض لها الأصغر سناً، تقول: «أنا عجوز ما يضايقني شيء.. لكن الشابات يتعرضن للتحرش».
كرامتنا هباء
في ريف «بني مطر»، تختزل ابتهال الأشرم (45 عاماً) وجع فئة بأكملها بصفعة هوت على وجهها، لم تحرك ساكناً لأنها «مهمشة»، حيث اعترض «أبناء القبائل» طريق ابتهال وسلبوها حزمة الحطب ورزق يومها، لتواجه قهرها بصرخة مخنوقة رصدتها: «لو كانت تلك الصفعة على وجه امرأة قبيلية لقامت الدنيا.. ولكن لأنه خدي الأسود، مر الأمر وكأن شيئاً لم يكن».. ولم يكتفِ المعتدي بالضرب، بل سخر من تهديدها بالشكوى، مستقوياً بضعفها الاجتماعي.. تقول ابتهال: «ضحك بملء فمه وقال: من يشتكي؟ أبوك الضعيف؟.. هو يعلم يقيناً أنه لا قبيلة خلفي تنصفني». أمام هذا الجبروت لم تجد ابتهال ملاذاً حتى عند زوجها الذي أسكته العجز قائلاً: «نحن لا نقوى على مواجهتهم»، لتفر الأسرة إلى مخيم آخر، حيث يتردد صدى كلماتها: «نحن هنا مباحون؛ دمنا ماء، وكرامتنا هباء.. نعيش في غابة».
رفضت أن أكون رقما في قوائم الضحايا
في أحد مخيمات النزوح بريف محافظة حجة، تبرز قصة هدى (اسم مستعار)، فتاة لم تتجاوز المرحلة الثانوية، لكن ملامح تجربتها تفوق سنوات عمرها بكثير. هي ليست مجرد طالبة في الصف الأول الثانوي، بل هي «ربة بيت» سابقة.. خاضت تجربة زواج مبكر وانفصال، وعادت لتتشبث بقلمها وكراستها كطوق نجاة وحيد.. تستذكر هدى تفاصيل رحلة شاقة بدأت من الصف السابع، حين استبدلت حقيبتها المدرسية بمسؤوليات تفوق طاقة الطفولة.. تقول بنبرة هادئة تخفي خلفها إصراراً كبيراً: «تزوجت وأنا لا أزال طفلة في الصف السابع، ولم تستمر التجربة سوى عامين.. تطلقت بعدها لأنني لم أستطع الاندماج مع عائلته، كنت غريبة بينهم».
لم تكن القسوة في الزواج المبكر فحسب، بل في الظروف الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي رافقتها، تضيف هدى: «طلبت خيمة لأعيش بمفردي بعيداً عن ضجيج ومشاكل عائلته، لكنه كان بخيلاً، لا يشقى علينا ولا يوفر احتياجاتنا، ونحن كنساء ممنوعات من الخروج إلى السوق، فكنت في سجن حقيقي».
تصف تلك اللحظات بكلمات مثقلة بالوجع: «تجربتي كانت صعبة وتركت في نفسي جروحاً لا تندمل وكرهت بسببها الظروف التي أوصلتنا إلى هنا».. تؤكد هدى وهي تمسك بكتابها المدرسي: «المهم أنني واصلت تعليمي بعد الطلاق، والآن أنا في الصف الأول الثانوي، وإن شاء الله لن أكرر الغلطة، ولن أتزوج إلا بعد أن أنضج وأعي الحياة جيداً».
الضيوف يتقززون منكم
لم ترتكب ذنباً «زلال» عندما قررت أن تذهب للمساعدة في عرس بإحدى قرى ريف محافظة حجة، لكن السيدة الأربعينية اصطدمت فور دخولها بنظرة دونية جرحت كرامتها.. تروي زلال الموقف بأسى لـ«لا»: «صاحت والدة العروس بي أمام الجميع بصوت حاد: يا خادمة! مكانكِ هناك في طرف الديوان، لا تجلسي فوق الفرش الجديد توسخيه».. التمييز لم يقف عند حدود المجلس، بل طال الزاد والملح، حيث حُرمت زلال من الأواني النظيفة التي وُزعت على بقية النساء: «جاءتني من توزع الطعام بكيس بلاستيكي (دعاية) وضعت فيه بقايا الأرز بيدها ورمته أمامي قائلة: اخرجي الضيوف يتقززون من شوفتكم وقت الأكل». وبلغ الألم منتهاه حين حاولت طفلة صغيرة منحها قطعة حلوى، فانتزعتها أمها بعنف صارخة: «ابعدي عنها لا تلمسيها هؤلاء وسخين وشوعة».
ما نبيع لكم
وقفت الأربعينية «صالحة» بأحد مخيمات ريف حجة أمام حقيقة أن المال الذي جمعه ابنها في سنوات غربته الطويلة لا يملك سلطة شراء الكرامة في عُرف القرية، ولا يشفع لها لمغادرة حياة العشش. لم تكن المشكلة في الفقر كما يظن الجميع، فقد أرسل ابنها ما يكفي لبناء أربعة جدران تسترها وأحفادها من ذل المطر ونظرات الشفقة، لكنها اصطدمت بجدار أصلب؛ جدار التصنيف الاجتماعي.. حين وقفت أمام الشيخ تمد يدها بثمن الأرض، تراجع وكأنما يتقي وباءً لا لعيب في المال، بل للون اليد التي تحمله.. جاء صوته قاطعاً وحاداً يمزق حلم الستر: «ما حد يبيع للأخدام.. تريدين أن يقولوا جاورتهم وطيّحت قيمة أرضي؟ العُرف عُرف، أنتم مكانكم في طرف القرية، فلوسكم ما تغير أصلكم، الأرض للقبايل لا للمتسولين». عادت صالحة تجر خطواتها نحو عشتها المهترئة، والمال في جيبها يتحول إلى جمر يحرقها بدلاً من أن يبرد قلبها.. ضاقت عليها الأرض الواسعة، لا لضيق المساحات، بل لأن لون بشرتها اعتُبر وصمةً تحرمها حق الجوار، وتُبقيها مقيدة في خانة بشر من الدرجة الثانية.
يصورونا مقابل مُليم
أم ريم (ربة منزل) نازحة من مدينة زبيد، تعيش حياة قاسية بين جدران خيمة متهالكة لا تصد برداً ولا مطراً.. تختصر مآسي التهميش المركب، حيث يتشابك الفقر المدقع مع قيود التقاليد التي تفرض عليهن البقاء بعيداً عن الأسواق والعمل، وهو وضع تراه رغم قسوته حماية لهن، قائلة: «أنا ما أخرج السوق، عندنا عيب.. الحمد لله ما يحصل لنا أي استغلال أو عنف، لأن لقمة العيش على أزواجنا».
لكن هذا الأمان الاجتماعي لا يسد رمق الجوع، إذ وجدت نفسها مسؤولة عن إعالة ثلاثة عشر طفلاً، بينهم سبعة أيتام، في واقع معيشي يقتصر على الكفاف، تصفه بمرارة في سياق حديثها لـ»لا»: «معي ستة عيال وسبعة بني أخو زوجي، ما نحصل حتى قوت يومنا، فقط وجبة واحدة في اليوم».
وتحت وطأة النزوح، تشكو النازحات من استغلال معاناتهن إعلامياً مقابل فتات المساعدات، حيث تقول: «يصورونا حتى لو حصلنا على مُليم.. ولا أحد يهتم فينا أو يحملنا مسؤولية عمل لأننا من أصحاب المخيم». وتختتم حديثها بالقول: «أتمنى يوم من الأيام أننا نخرج من المخيم ونعيش عيشة كريمة.. مثل كل الناس في أماكن آمنة».
الحلقة الأضعف
في قراءة أنثروبولوجية وتاريخية للجذور العميقة للمعاناة، يتحدث لـ«لا» الدكتور علي طعيمان، أستاذ التاريخ والمؤرخ عن بنية التهميش في اليمن، بأن «هذه الفئة ظلت تاريخياً الحلقة الأضعف لوقوعها خارج إطار القبيلة مما جردها من مظلة الحماية العرفية (الغُرم والنكَف)». ومع تهميش حماية التبعية التقليدية في السنوات الأخيرة وغياب البديل القانوني للدولة، تدفع النساء المهمشات فاتورة باهظة.. ويعزو طعيمان ذلك إلى سببين متجذرين في العقل الجمعي «الأول هو الموروث الثقافي الذي يقرن الفقر واللون الأسود بـ(نقص القيم)، مما يمنح المعتدي تبريراً نفسياً لجرائمه. والثاني يتعلق بطبيعة عملهن في الشوارع، والذي يُنظر إليه ككسر لمعايير الوقار والحجب، مما يجعلهن هدفاً سهلاً للعنف.
أرقام ترسم خريطة الوجع
وتضع «لا» بين يدي القارئ أبرز الحقائق التي ترسم خريطة هذا الوجع بلغة الأرقام المجردة؛ حيث تؤكد البيانات وجود كتلة بشرية هائلة تتراوح بين 1.5 إلى 3.5 مليون نسمة (ما يعادل 10 ٪ إلى 12 ٪ من السكان) يعيشون غالباً بلا هوية، إذ يمتلك 9 ٪ فقط شهادات ميلاد، ولا تتجاوز نسبة حاملي البطاقات الشخصية 20 ٪ وتهبط بين النساء الريفيات إلى ما دون 5 ٪ أما تعليمياً، فتتجاوز الأمية 80 ٪ وتصل إلى 90 ٪ بين النساء، ولا يلتحق بالمدرسة سوى طفل واحد من كل 5 أطفال. وفي واقع السكن، فإن أكثر من 70 ٪ من مساكنهم صفيح وكرتون، ويعتمد 95٪ منهم في الأرياف على العراء للصرف الصحي.










المصدر بشرى الغيلي/ لا ميديا